.
.
.
.

تمهل.. لا تجدد جواز سفرك

عبد الرحمن الخطيب

نشر في: آخر تحديث:

استوحيت عنوان المقالة من الأحداث المتسارعة التي شهدها العالم العربي الأسبوعين الماضيين. فمن انتهت صلاحية جوازات سفرهم من اللاجئين السوريين والعراقيين، ولم يتمكنوا من تجديدها، يفضل التروي، لمعرفة إلى أي بلد سينتمون بعد أن تتغير خريطة المنطقة برمتها. في الواقع حين نشرت صحيفة «الحياة» مقالة لي قبل أسبوعين بعنوان «إرهاصات التقسيم الطائفي»، كنت أظن أن موضوع التقسيم ربما سيستغرق عامين أو ثلاثة على أقل تقدير. فكانت المفاجأة أن دولة العراق والشام سيطرت على الحدود العراقية - السورية، وألغت الحدود بينهما، وأعلنت الخلافة الإسلامية تحت اسم الدولة الإسلامية، استناداً إلى مبدأ ولاية المتغلب. وبعد أيام عدة من سيطرة البيشمركة الكردية على كركوك، الغنية بالنفط، أكد رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني أن الاستقلال هو حق طبيعي لشعب الإقليم، لا ينبغي إخفاؤه، وأنه سيجري استفتاء شعبياً على خيار الاستقلال خلال الأشهر المقبلة بعد موافقة برلمان كردستان على ذلك. كانت ردود الفعل الغربية تجاه إعلان دولة العراق الخلافة، وتجاه موضوع استقلال إقليم كردستان فاترة، وكأن هناك موافقة ضمنية. حتى إن طلب رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، ووزير الخارجية الأميركي جون كيرى، اللذان زارا كردستان الأسبوع الماضي، من البرزاني أن يتراجع عن قراره بانفصال إقليم كردستان عن العراق، كان خجولاً جداً. والمتابع لتصريحات تركيا المعارض التاريخي الشرس واللدود لإقامة دولة كردية يلاحظ أنها أتت فاترة أيضاً. وكأن غض الطرف عما يحصل هو لتسريع عملية التقسيم.

من يعتقد أن ما يحصل الآن في المنطقة العربية هو عمل ارتجالي أو وليد اللحظة فقد جانب الصواب. فصناعة القرار الغربي تعتمد على الكثير من الدراسات والبحوث الأكاديمية العلمية، والسياسية، والاجتماعية، والاستراتيجية. بل إن هناك دراسات في ردهات صناع القرار السياسي في الغرب عن مخططات استراتيجية لتقسيم الدول العربية وضعت أساساتها قبل ثلاثة عقود.

من المعروف أن منطقة الشرق الأوسط جرى تقسيمها بعد اتفاقية «سايكس بيكو» عام 1916. حين تم اقتسام ما تبقى من المشرق العربي بعد الحرب العالمية الأولى بين إنكلترا وفرنسا، التي أعقبها وعد بلفور عام 1917 لليهود في فلسطين. ولكن على ما يبدو أن الغرب لديه رغبة مستدامة في تقسيم المقسّم وتجزئة المجزّأ في كل قرن تقريباً. فتبني طرح تقسيم منطقة الشرق الأوسط بدأ التخطيط له اليهودي الأشكنازي البريطاني الجنسية برنار لويس عام 1980. كما طرحه بريجنسكي مستشار الأمن القومي السابق للرئيس جيمي كارتر عام 1980 بقوله: «إن منطقة الشرق الأوسط ستحتاج إلى تصحيح الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو ومقررات مؤتمر فرساي. وفي عام 1983 وافق الكونغرس الأميركي بالإجماع في جلسة سرية على مشروع برنارد لويس، وتم اعتماده وإدراجه في ملفات السياسة الأميركية الاستراتيجية لسنوات مقبلة. لويس هذا قدّم خرائط قسّم فيها غالبية الدول العربية. تحقق منها الآن انفصال السودان إلى دولتين: دولة الشمال السوداني الإسلامي، ودولة الجنوب السوداني المسيحي. بل إنه ذكر دارفور، لفصلها عن السودان بعد فصل الجنوب مباشرة، إذ إنها غنية باليورانيوم والذهب والنفط. وتكلم أيضاً عن تفكيك ليبيا، وهذا ما يُخشى منه الآن. كما ألغى الكويت وقطر والبحرين وسلطنة عمان واليمن والإمارات العربية من الخريطة التي قدمها، ومحا وجودها الدستوري بحيث تتضمن شبه الجزيرة والخليج ثلاث دويلات فقط، هي: دويلة الأحساء الشيعية، وتضم الكويت والإمارات وقطر وعمان والبحرين. ودويلة نجد السنية. ودويلة الحجاز السنية. كما خطط لتقسيم العراق إلى دويلات: دويلة شيعية في الجنوب حول البصرة، ودويلة سنية في وسط العراق حول بغداد، ودويلة كردية في الشمال والشمال الشرقي حول الموصل (كردستان)، تقوم على أجزاء من الأراضي العراقية والإيرانية والسورية والتركية. ثم في تاريخ 29-9-2007 صوّت مجلس الشيوخ الأميركي، شرطاً لانسحاب القوات الأميركية من العراق، على تقسيم العراق إلى هذه الدويلات الثلاث. أما سورية فقسمها لويس إلى: دولة علوية شيعية، تمتد من دمشق مروراً بحمص إلى لواء إسكندرون، ودولة سنية في المنطقة الشمالية والشرقية، ودولة الدروز في الجولان ولبنان. وكلف البنتاغون الكولونيل المتقاعد من الجيش الأميركي رالف بيتر بإعداد تقرير وسيناريو مفصل عن إمكان تحقيق تلك المخططات من الناحية اللوجستية والعسكرية. وفي هذا المضمار فإن عبارتي «الشرق الأوسط الجديد»، و«الفوضى الخلاقة»، اللتين صرحت بهما وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في أبريل عام 2005 لصحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، لم تكونا وليدة أحداث 11 سبتمبر 2001، أو بدعاً من إدارة المحافظين الجدد في البيت الأبيض لينفذها جورج بوش الابن، آنذاك، بل كانتا مشروعاً متكئاً على الدراسات السابقة.

من الملاحظ، من مجريات الأمور في سورية، والعراق، ولبنان، واليمن، وتكاثف الحديث، وكثرة الأطروحات والتحليلات السياسية، أن الحلول النهائية والناجعة تتجه باتجاه تقسيم تلك البلدان. وأن هذا الحل هو الحل الأقرب لحال منطقة الشرق الأوسط. تقود هذا الحل الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا. لتنفيذ مخطط تحقيق حلم دولة إسرائيل الكبرى، والسيطرة على الأماكن الغنية بالنفط والثروات الطبيعية. يؤكد هذا المنحى إعادة صحيفة «نيويورك تايمز» نشر خريطة تظهر فيها خمس دول بالشرق الأوسط وقد قسمت إلى 14 دولة وفقاً لاعتبارات دينية، وطائفية، ومذهبية، وتعللاً بأن العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسدون فوضويون، لا يمكن تحضّرهم، وإذا تركوا لأنفسهم فسيفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمر الحضارات. ولذلك فإن الحل السليم للتعامل معهم هو إعادة تقسيم أراضيهم أو استعمارها بطرق حديثة مبطنة. كما أعادت مجلة «أتلانتك» الأميركية بعنوان «الخريطة الجديدة للشرق الأوسط» نشر ما وصفتها بالخريطة الجديدة للشرق الأوسط كانت نشرتها في عدد يناير 2008 بمناسبة مرور 5 أعوام على غزو العراق.

وإذا أردنا الحديث عن تحقيق مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي نادى به بعض زعماء الغرب فإن مؤشراته لاحت في الأفق القريب. كما أن التصريحات الغربية العلنية بأن الصراع المسلح في المنطقة سيمتد أمده لسنوات طوال باتت تشنف آذاننا يومياً. ثم لم يعد خافياً على أحد أن الأقمار الاصطناعية التجسسية تصور أدق تحركات القوى المتصارعة على الأرض في المنطقة، من نقل أسلحة ومعدات، وجنود، ومجاهدين أجانب، وخلافه، بل لديها إمكان تصوير أرقام السيارات. وبطبيعة الحال فإن الاستخبارات الغربية تعلم بأدق تفاصيل التغيير الديموغرافي الذي ينتهجه النظام الإيراني والسوري والعراقي وحزب الله اللبناني في المنطقة.

من هنا يمكن القول إن زعم الغرب بأنه يدعم الأنظمة الديموقراطية، أو يعادي الأنظمة الديكتاتورية، لترويضها لتتحول إلى أنظمة ديموقراطية ما هو إلا مسرحية مبتذلة، وفيلم هندي قديم. وإن الهدف الأول والأخير من تقسيم المقسم أصلاً سيزيد من حدة الصراعات والحروب، وسيستنزف ثروات وخيرات البلدان العربية، وسيؤدي إلى صوملة المنطقة، بما يعود بالفائدة الجليلة على مصانع الأسلحة، وبالتالي سيعمل ذلك على تحسين الاقتصاد الغربي المتدهور.

* نقلا عن "الحياة"

www.alhayat.com/Opinion/Abdulrahmaan-Al-Khateeb/3500700/%D8%AA%D9%85%D9%87%D9%84---%D9%84%D8%A7-%D8%AA%D8%AC%D8%AF%D8%AF-%D8%AC%D9%88%D8%A7%D8%B2-%D8%B3%D9%81%D8%B1%D9%83

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.