رمضان: التفكير بالدين

بيتر ميليت
بيتر ميليت
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

لقد تغيرت وتيرة وإيقاع الحياة في منطقة الشرق الأوسط خلال شهر رمضان المبارك. فساعات العمل تقل وإيقاع الإجتماعات يصبح أبطأ.

كما أن حركة السير تكون هادئة في الصباح والشوارع تقريبا تخلو من المركبات مساء قبل الغروب والحياة الإجتماعية تركز على الإفطارات والتجمعات العائلية.

يظهر المسلمون في جميع أنحاء العالم إنضباط النفس بالصيام أثناء الشهر الفضيل، ويستغلون هذا الوقت لتحقيق قدر أكبر من الوعي الذاتي، وعلى الآخرين أيضا أن يستغلوا هذا الشهر للتفكير بدور الدين في العالم.

النقاش في الدين موضوع غير عادي بالنسبة لشخص دبلوماسي، ولكنه موضوع له علاقة واضحة بالمشاكل والصراعات التي يجب علينا أن نتعامل معها. كما أنه موضوع حساس جدا يمكنه أن يشعل مشاعر عميقة ولذلك علينا أن نناقشه بحذر شديد.

الدين هو مصدر عظيم للخير حيث يقوم بتوجيه الناس خلال حياتهم اليومية ويلهمهم التعاطف مع الناس وتفهم الآخرين. كما أنه ساعد على إنشاء بعض أجمل المباني في العالم مثل الكاتدرائيات والمساجد والكنائس اليهودية والمعابد والتي هي شهادة على قوة الإيمان.

ولكن غالبا ما يتم تشويه الدين من أجل إلهام الكراهية والعنف ويتم استخدامه كغطاء للإستيلاء على الأراضي والمال والسلطة.

هذا التشويه ليس بالأمر الجديد فالتاريخ مليء بجثث أشخاص قتلوا باسم الدين. فقد أطلقت الحروب الصليبية في القرن الثاني عشر على أنها "الحرب العادلة" على الرغم من أنها أدت إلى معاناة رهيبة. و في القرن السادس عشر عانت انكلترا، الكاثوليك والبروتستانت على حد سواء من القتل المروع بسبب إيمانهم. كما أن حرب الثلاثين عاما في أوروبا في القرن السابع عشر تسببت في موت ما يقارب عشرة ملايين شخص.

لا يزال التمييز والاضطهاد على أسس دينية مستمر في العصر الحديث، فقد شهدنا هذا العام تعرض الدين للإساءة بطرق مختلفة، على سبيل المثال تبرير خطف الفتيات المسيحيات من قبل جماعة بوكو حرام في نيجيريا، واضطهاد المتطرفين المسلمين في سوريا والعراق للأشخاص الذين لا يقبلون معتقداتهم حيث بلغوا الذروة عند إعلانهم الخلافة الإسلامية الأسبوع الماضي. أما في القدس التي هي بوتقة الأديان الثلاثة الكبرى، فإن الوضع الراهن في المسجد الأقصى في خطر كبير.

يتصف المتطرفون دينيا بسمّ التعصب.و كما شهدنا في العديد من الأحداث أنهم مستعدون لارتكاب هجمات إرهابية فظيعة باسم الدين بما في ذلك إرسال أتباعهم للقيام بعمليات انتحارية، وغالبا ما يقتلون الناس الذين ينتمون إلى نفس ديانتهم، كما حدث في تفجيرات فنادق عمان عام 2005. ولكن هل تعد دوافعهم هذه دينية بحتة أم أنهم يستخدمونها كغطاء للبحث عن الأرض والمال والسلطة؟

ما ينقصهم هو التسامح: القدرة على احترام وتقبل آراء الآخرين. يعتقد هؤلاء المتطرفون بأنهم يحتكرون الحقيقة التي يستخدمونها لتبرير الجرائم التي يرتكبونها ضد ضحاياهم الأبرياء. فمفاهيم الأخوة والتفاهم والرحمة والمغفرة ليست جزءا من مفرداتهم.

هذه المفاهيم هي القيم الأساسية لجميع الديانات الرئيسية بالإضافة الى التسامح والرحمة والاحترام المتبادل. هناك تنوع غني بالممارسات بين الديانات والعديد من القيم المشتركة أيضا.

ينبغي أن نحتفل بهذه القيم المشتركة مثل الرغبة في العدالة والإنصاف والكرامة الشخصية التي توحد جميع الأديان. علينا أن نصر على حرية الدين كحق من حقوق الإنسان الأساسية ومكافحة التعصب الديني بقوة كما ينبغي أن نشجع الحوار بين الأديان كوسيلة لتعزيز التفاهم المتبادل.

هل التسامح يعني ببساطة غض الطرف عن مطالب الآخرين؟ هل على التسامح أن يمتد إلى أولئك الذين يدعون للكراهية والانتقام واستخدام العنف؟ بالطبع لا.

ففي مجتمع قوي وعادل وواثق فإن التسامح لايعني التغاضي عن الحالات التي يتم فيها استخدام الدين كستار للتعنت العقائدي والعداء. يجب أن يكون هناك حد للتسامح حيث يستخدم المتطرفون العنف لفرض إرادتهم.

التسامح في صلب البلدان التي تتمتع بالاستقرار و الازدهار حول العالم. تجدر الإشارة هنا، ونحن في شهر رمضان، إلى إحدى آيات القرآن الكريم، وهي: "لا إكراه في الدين."

* السفير البريطاني لدى الأردن

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط