.
.
.
.

مصر لا يجب أن تفتح معبر رفح

جمال أبو الحسن

نشر في: آخر تحديث:

الحرب عمل ينطوى- بحكم التعريف- على مفاجآت غير متوقعة. من السهل أن تبدأ عملية عسكرية، ولكن من الصعب أن تعرف على وجه اليقين كيف ستتطور أو إلام ستؤول نتائجها فى النهاية. الحرب الجارية فى غزة اليوم ليست استثناء عن هذه القاعدة العامة. لا أحد يمكنه التنبؤ بالسيناريو الذى ستنتهى به. لا أحد يستطيع تخيل شكل التسوية التى ستنشأ عنها.

الحرب، أى حرب، تندلع لأن طرفاً لا يقبل بوضع قائم معين، ومن ثمّ يسعى لتغييره بالقوة. فى النزاع الجارى، يبدو أن الطرفين (إسرائيل وحركة حماس) لديهما، وبدرجات متفاوتة، أسباب لرفض استمرار الوضع القائم. كلاهما يراهن على وضع جديد أقرب لرؤيته وأكثر ملاءمة لمصالحه.

حركة حماس تشعر بعزلة شديدة منذ تغيير النظام فى مصر، وما استتبع ذلك من إغلاق للأنفاق التجارية التى كانت تمر تحت رفح والتى شكلت شريان الحياة المالى للحركة. ما يزعج الحركة حقاً هو خسارة مكانتها كقوة حاكمة فى القطاع. لاحظ أن حماس لم تعد تمارس المقاومة كاستراتيجية مستمرة ومتواصلة لتحرير الأرض. هى تمارس «المقاومة الموسمية» لتحقيق هدف سياسى معين فى لحظة معينة. غايتها الكُبرى هى الحفاظ على حكمها فى القطاع. هذه الغاية صارت عُرضة لتهديد شديد بسبب الضغوط التى تتعرض لها الحركة من أكثر من اتجاه. الحل الوحيد أمام حماس كان السعى لتغيير الوضع القائم بأى سبيل.

كلٌ من الطرفين يسعى لإنهاء الحرب بتسوية تقترب من أهدافه. المشكلة أن الحرب الجارية مركبة للغاية وهى لا تدور، فى حقيقة الأمر، بين طرفين، ولكن بين ثلاثة أطراف. الموقف أشبه بمثلث رأسه فى مصر. أهداف حماس هذه المرة تتعلق بمصر أكثر مما تتعلق بإسرائيل. ظهر ذلك واضحاً فى الأسباب التى عرضتها الحركة لرفض مبادرة التهدئة التى تقدمت بها مصر فى 14 يوليو. أهم ما طالبت به حماس كان فتح معبر رفح. لنكن صرحاء قليلاً: هذه الحرب تدور فى الأساس حول وضعية معبر رفح!

بالنسبة لحركة حماس، فتح المعبر- كمنفذ تجارى واقتصادى وليس للأغراض الإنسانية- هو السبيل الوحيد لتغيير الوضع القائم جوهرياً. هو الفرصة الأخيرة لاستمرار حكمها فى القطاع. آيةُ ذلك أن القبول بفتح المعبر كفيلٌ وحده بوقف جميع العمليات العسكرية فوراً، برغم أن فتح المعبر(تجارياً) هو إجراء لا يمُّتُ بأى صورة من الصور للنضال ضد إسرائيل أو تحرير الأراضى المحتلة فى القطاع. هو إجراء يتعلق بشىء أهم من وجهة نظر الحركة الإسلامية: دوام حكمها فى «إمارة غزة المحررة»!

فتح المعبر تجارياً لا يصب فى مصلحة مصر، ويتعارض بشكل صارخ مع سياستها ومقتضيات أمنها القومى، خاصة على المدى الطويل. تشغيل المعبر، مع وجود حركة حماس على الطرف الآخر، معناه الاعتراف الكامل بحكمها فى غزة. هذا هو الهدف النهائى للحركة. لو قبلت مصر بهذا تكون قد قبلت بدولة جديدة على حدودها يقطنها 1.7 مليون نسمة يعانون من البطالة وتفشى الأفكار الجهادية والتكفيرية، وتحكمها جماعة مسلحة لها تحالفات إقليمية وأهداف سياسية تتعارض بشكل قاطع مع منطلقات الأمن المصرى. هذه المنطلقات تقوم على احترام معاهدة السلام مع إسرائيل ودفعها للقبول بحل تفاوضى سلمى للصراع مع الفلسطينيين على أساس مبدأ الأرض مقابل السلام ودولتين لشعبين.

وبالنظر إلى وضعية شبه جزيرة سيناء، التى تبلغ مساحتها 66 ألف كيلومتر مربع، ولا يقطنها أكثر من 400 ألف نسمة، تتضح خطورة الموقف على المدى الطويل. استراتيجية حماس هدفها النهائى أن تصبح سيناء عمقاً استراتيجياً للقطاع. ليست هذه مبالغة، لكنه واقع رأينا بعضاً منه خلال السنوات العشر السابقة التى انتشرت فيها مظاهر التمرد على الدولة والعنف والإرهاب فى شبه الجزيرة. بداية انتشار العنف فى سيناء تكاد تتطابق مع الانسحاب الأحادى الإسرائيلى من القطاع فى سبتمبر 2005 وقيام «الإمارة الإسلامية».

ثمة إشارات لتسوية للجولة الحالية من الصراع على حساب مصر. اليقظة واجبة. خلط الأوراق مرفوض. تشغيل معبر رفح استمر من نوفمبر 2005 وحتى انقلاب حماس فى يونيو 2007. لا يجب القبول بفتح المعبر تجارياً سوى بالعودة إلى هذا الوضع السابق، أى أن تعود السلطة الوطنية الفلسطينية للقطاع وتقبل حركة حماس بإجراء الانتخابات. خلاف ذلك هو تفريط فى أمننا ومصلحتنا الوطنية.
نقلاً عن "المصري اليوم"

m.almasryalyoum.com/News/Details/490242

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.