.
.
.
.

متى تنتصر المقاومة؟

عمرو الشوبكي

نشر في: آخر تحديث:

حين كتبت فى 15/ 5/ 2008 مقالا بعنوان «نهاية تجربة حزب الله» عقب دخول الحزب فى مواجهات مسلحة مع عناصر سنية وحرقه ممتلكات عامة وخاصة ومؤسسات إعلامية، لم أسر مع الخطاب السائد للمعارضة المصرية التى كنت أنتمى إليها، واعتبرت أن مهمة الكاتب والباحث هى طرح الأسئلة النقدية وليس السير فى الصف وترديد ما يقوله إخوانه أو رفاقه أو أصدقاؤه.

وأذكر أن هذا المقال أثار ردود فعل غاضبة لدى بعض الأصدقاء حين كان نقد المقاومة من المحرمات، وحين كان البعض يحسب حساباته باتخاذ موقف عكسى من النظام الحاكم حتى لو كان هذا الموقف ليس له منطق أو أساس، فطالما مبارك لم يكن يحب حزب الله فإن مهمة المعارض أن يؤيد حزب الله والعكس صحيح.

وقد جاء فى هذا المقال على سبيل التذكرة والتأمل فى وقتنا الحالى: أن الحرب التى دخلها حزب الله فى يوليو ٢٠٠٦ ضد إسرائيل لم تكن بريئة تماماً أو لوجه الله والوطن، وأنه كان من أهدافها الرئيسية تغيير ميزان القوى الداخلى، وفتح الباب أمام حزب الله للهيمنة على النظام السياسى اللبنانى، مستغلا صموده أمام آلة الحرب الإسرائيلية، وعدم توقعه- كما قال زعيمه- عنف الرد الإسرائيلى.

والمؤكد أن تجربة حزب الله «ما بعد المقاومة» لا تختلف كثيرا عن تجارب نظم وتنظيمات سياسية وعقائدية كان لديها، فى فترة من الفترات، حلم ونقاء ثورى، وبعضها ناضل ضد نظم مستبدة، والبعض الآخر ناضل ضد احتلال أجنبى، وبعد وصولهم إلى السلطة تحولوا إلى نظم استبدادية بامتياز.

فحين يطالب مواطن عربى أو لبنانى، أحب حزب الله، بالديمقراطية والسلم الأهلى، يقال له: اصمت لأننا نقاوم العدو الصهيونى، وحين يرغب آخر فى أن يعيش اللبنانيون مثل باقى شعوب الأرض بسلام يقال له: اخرس أنت عميل لأمريكا وإسرائيل. تماما مثلما فعلت نظم الاستبداد العربى حين لم تسمح لأحد بأن يتنفس، على اعتبار أنها نظم صامدة تخوض معارك تحرير وهمية بالشعارات، وليس فى الواقع.

لقد تناسى حزب الله أن مقاومة إسرائيل الحقيقية ستأتى حين يصبح لبنان نموذجاً للتعايش المذهبى والازدهار الاقتصادى والديمقراطية السياسية، ويصبح بالتالى، أو النتيجة، هو الطرف الذى يجب أن يكون الأكثر إصرارا على خلق هذا النموذج، وأن يقدم أكبر تنازل ممكن تجاه الأطراف الأخرى، لأنه هو الوحيد الذى احتفظ بسلاحه بعد التحرير، ولكنه فعل العكس تماما، وتجاهل أن قبول معظم اللبنانيين استثناءه كان راجعاً لوجود دولة عدوانية مجاورة، اسمها إسرائيل، وليس من أجل قتل خصومه السياسيين والاعتداء على ممتلكاتهم.

لقد أخرج حزب الله طاقة من الكراهية والتعصب تجاه كل الطوائف اللبنانية، وتحوّل سلاحه إلى سلاح ضد الشعب، وعلى كل من يتوهم أن حزب الله قادر، بعد ما جرى فى بيروت، على أن يطلق طلقة واحدة على إسرائيل أن يراجع حساباته، فقد تحول إلى نموذج مكرر لكل نظم الصمود والتصدى التى عرفناها فى العالم العربى على مدار العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضى، واجتهدت جميعها فى محاربة بعضها البعض، رغم أن هدفها كان محاربة إسرائيل، ولم تطلق عليها طلقة واحدة.

والحقيقة أن ما قلته كان استشرافا للمستقبل بالقول منذ 8 سنوات «إن من يتوهم أن حزب الله قادر، بعد ما جرى فى بيروت، أن يطلق طلقة واحدة على إسرائيل أن يراجع حساباته».. ودارت الأيام، واكتشف الكثيرون أن حزب الله لم يطلق منذ 2006 طلقة واحدة على إسرائيل بعد أن حارب خصومه فى لبنان وانتقل للدفاع عن النظام السورى فى جهاد شيعى مقدس ضد معارضى النظام الذين وضعهم جميعا فى سلة «المعارضة التكفيرية»، وتفرج مثل باقى النظم العربية على إسرائيل حين دكت غزة مرتين فى 2008 و2014 مكتفيا برفع شعارات المقاومة من أجل مكاسبه الداخلية.

والحقيقة أن مشهداً مشابهاً لما جرى فى تجربة حزب الله تكرر مع حماس مرتين: الأولى فى مواجهات 2008 مع إسرائيل عقب سيطرة الحركة بالقوة المسلحة على قطاع غزة، وقتل ومطاردة واعتقال كثير من رجال فتح، بما يعنى أن الجبهة الداخلية الحاضنة لمشروع المقاومة لم تكن داعمة بشكل كامل لحماس حتى لو اضطر الجميع إلى الوقوف صفا واحدا فى مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية.

وكررت حماس نفس الأسلوب فى معركتها الحالية بعد أن اتهمت بالمشاركة فى خطف وقتل 3 مراهقين إسرائيليين، وبدأت إسرائيل هجماتها العدوانية على غزة، وردت حماس بإطلاق صواريخها باتجاه المدن الإسرائيلية، وسقط ما يقرب من 2000 شهيد فلسطينى فى مقابل حوالى 60 جنديا إسرائيليا، واعتبر أنصار الإخوان فى مصر أن ما تقوم به حماس مقاومة ناجحة، ولم يخرج مثقف إسلامى واحد ليقدم قراءة نقدية لهذا النمط من وسائل المقاومة العشوائية الذى فشل فى تحقيق أى مكاسب سياسية.

والحقيقة أن ما جرى فى مصر منذ بدء العدوان الإسرائيلى على غزة كان محاولة لتصفية الحسابات السياسية بين أنصار الرئيس المصرى وخصومه، وتاه جوهر القضية: هل هذا النمط من المقاومة فى هذا التوقيت وفى هذا السياق يحقق أى مكاسب للشعب الفلسطينى، أم هو تكرار لنفس الأساليب القديمة فى المغامرات المسلحة التى تقوم بها فصائل سياسية وفق حساباتها الضيقة (كما جرى مع حماس وحزب الله) ويدفع ثمنها الأبرياء والمدنيون كما جرى فى لبنان وفلسطين؟

كان متوقعا من كتاب ومفكرين إسلاميين كبار (مثل فهمى هويدى وآخرين) أن يختاروا المراجعة النقدية لأساليب المقاومة المسلحة، ليس ارتماء فى أحضان المسار السلمى الذى توقفت إنجازاته عند اتفاق أوسلو وعودة السلطة الفلسطينية إلى أراضى الضفة الغربية وقطاع غزة، إنما فى بحث خيارات جديدة أمام الشعب الفلسطينى لا تدافع عن حماس فى جميع الأحوال لأنها تقول إنها مقاومة.

نعم.. مصر بحاجة إلى دور أكبر واجتهادات أكثر جرأة فى التعامل مع الواقع السياسى، المحلى والعربى، من قبل أحزاب معارضة، سواء كانت مدنية إسلامية مثل مصر القوية، والتى خرج بعض قادتها على تجربة جماعة الإخوان المسلمين، أو أحزاب وتيارات سياسية مدنية خرجت من رحم ثورة 25 يناير مثل الدستور.. أن تقدم قراءة مختلفة عما هو سائد داخل التيار الإسلامى الإخوانى والتيار الثورى فى ترديد نفس شعارات الشجب والإدانة لكل النظم العربية والإشادة بالمقاومة البطولية التى يسقط بسببها آلاف الفلسطينيين دون تحقيق أى مكاسب للقضية الفلسطينية.

المقاومة ستنتصر إذا كانت كل طلقة تطلقها تصب فى صالح إنجاز سياسى، وليس بالضرورة الانتقام من العدو أو إيلامه، لأنه قادر فى كل مرة على إيلامنا أكثر، كما أنها تتطلب أيضا بيئة سياسية حاضنة، تتوافق على خيار المقاومة وتجعله خيار أمة وليس حسابات فصيل. فالمقاومة الفلسطينية لكى تنجح عليها ألا تعيد تجربة حزب الله فى 2008 فى التورط فى المواجهات الداخلية فينتهى بعدها دورة المقاوم، إنما المطلوب أن تعيد اللحمة الوطنية داخل البيت الفلسطينى، وأن يتم دعم حكومة الوحدة الوطنية، وأن تنهى حماس اختطافها لغزة بالقوة المسلحة وفصلها عن الضفة الغربية، وأن تجرى انتخابات فلسطينية جديدة تقدم نموذجا سياسيا يليق بتضحيات الشعب الفلسطينى.

المقاومة القادمة يجب أن تكون مدنية وسلمية، تعيد للعالم صورة انتفاضتى 1987 و2000 فى ظل ضغط سياسى وقانونى مستمر (عربى ودولى) على إسرائيل حتى تلتزم بقرارات الشرعية الدولية، وتقبل بدولة فلسطينية عاصمتها القدس، وسيبقى خيار المقاومة المسلحة خيارا استثنائيا واضطراريا فى يد الشعب الفلسطينى وليس حركة حماس، يمكن أن يلجأ إليه فى حال فشل كل الخيارات الأخرى، وبعد أن يبنى الفلسطينيون مشروعا وطنيا داخليا قويا وديمقراطيا.

نقلا عن صحيفة "المصري اليوم"

m.almasryalyoum.com/News/Details/496204

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.