خطاب 15 سنة لمحمد السادس

عادل الزبيري
عادل الزبيري
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

في سابقة من نوعها، استخدم العاهل المغربي محمد السادس في خطاب عيد العرش - عيد الجلوس – للعام 2014، حزمة من "التراكيب الجديدة" التي تكشف عن تجديد في أسلوب بناء خطابات الملك، فاستخدام تعبير من قبيل "وقفة تأمل وتساؤل مع الذات، بكل صراحة وصدق وموضوعية" لعقد ونصف العقد من الحكم، تعكس إيمانا بـ"ثقافة الاعتراف" بأن كل شيء ليس على ما يرام في المغرب، وأن كل شيء أراده الملك لبلده وشعبه لم يتحقق بعد، وأن المفهوم التاريخي "للجهاد الأكبر" لايزال مستمرا من الجد محمد الخامس إلى الابن الحسن الثاني، فالحفيد محمد السادس.

مارس العاهل المغربي "أسلوب الصدمة" في خطب كثيرة خلال السنوات الماضية، ففي خطاب أغسطس المنصرم، في ذكرى ثورة الملك والشعب، فصل الملك محمد السادس طويلا في فشل التعليم في المغرب، وفي خطاب افتتاح السنة البرلمانية في أكتوبر الماضي، تحدث عن فشل تدبير مدينة الدار البيضاء، أكبر مدينة مغربية، واستنهض النخب البرلمانية، فالاعتراف بكل صراحة، وتسمية الأشياء بأسمائها، أصبح "أسلوب ملك" في مخاطبة شعبه المغربي.

فبعيدا عن "خطاب التمجيد" لما حققه المغرب من "تراكمات إيجابية"، منذ وصول العاهل المغربي محمد السادس إلى الحكم - العرش - في نهاية تسعينيات القرن الماضي، أعلن الملك المغربي أن خطاب عيد العرش - عيد الجلوس - هو "وقفة تأمل وتساؤل مع الذات" بكل "صراحة وصدق وموضوعية"، هذا يعني أن "الروح المؤسسة" لدستور صيف 2011 تجد لها تنزيلا ـ تطبيقا عمليا ـ في "منطق تركيب الخطاب" أي "التغيير في ظل الاستمرارية" و"الإصلاح بالملكية ومع الملكية"، فالرأي العام الغربي مقتنع أن الملك منذ "جلوسه على العرش" قدم مبادرات غيرت المغرب إلى الأبد، ودفع كل "الأوراش الكبرى" بسرعات إنجاز لا سابق معرفة للرباط بها.

ففي سلسلة "الاعترافات الملكية" بالواقع المغربي، إقرار العاهل محمد السادس أن "الإنجازات مهما بلغت" فـ"ستظل دون ما ارتضيه" للشعب المغربي، ما يعني عدم الارتكان إلى ما "تراكم من إيجابيات" ومواجهة واقع يشاهده الملك في "جولاته السنوية" كل عام في "المغرب العميق" الذي لايزال لا يستفيد من "ثروة المغرب"، وهذا إقرار تاريخي من الملك وغير مسبوق.

كما أن اللجوء إلى استخدام "منطق التساؤل" في الخطاب، يكشف في قراءتي أن "أسلوب الحكم" القائم على "سياسة القرب" من كل المغرب، مكنت الملك من الوقوف على حقائق ومشاهد لم تنقلها "التقارير الرسمية"، وأن "ربط المسؤولية بالمحاسبة" كمنطلق للدستور المغربي الحالي "قناعة للملك".

فعلى الرغم من مشاريع برنامج محاربة الفقر الذي يحمل رسميا اسم "المبادرة الوطنية للتنمية البشرية"، لاتزال الأمم المتحدة تعترف بالمغرب "تلميذا كسولا" في التنمية، ما يعني أن المغرب لا يحتاج إلى تنمية أو نمو حالياً، بل في حاجة لتحقيق ما أسميها "المعجزة المغربية الممكنة"، فالمملكة لها من الإرادة السياسية للملك محمد السادس، ومن "تراكم الفعل" ما يكفي لتحقيق حلم "القفزة الكبيرة في النمو"، فكيف ذلك؟

مازلت أتذكر مدينتي طنجة في تسعينيات القرن الماضي، "نموذجا مغربيا متقدما" في ضعف واهتراء البنية التحتية، وهزالة الخدمات التي تقدمها الدولة المغربية للمواطنين، في هذه المدينة التي تلقب بأنها عروس الشمال، لم نكن كجيل مراهق وحالم، نتوقع يوما أن تصلنا "الطريق السيار"، فأتى العقد الأول من القرن الحالي، ليكشف عن "طفرة في كل شيء" في مدينة طنجة، وكلما زُرت المدينة، الواقعة في غرب شمال المملكة، على البحر الأبيض المتوسط وعلى المحيط الأطلسي، قادما من مدينة الدراسة والعمل لاحقا، العاصمة الرباط، أكتشف أن مدينتي تتغير صوب الأفضل، ليس هذا "تمجيدا مجانيا"، ولكنها "صورة واقعية" يعرفها أهل طنجة جميعا.

فنموذج مدينة طنجة، يمكن أن يتحول في المغرب إلى "أسلوب دولة" بقيادة الملك محمد السادس، بعد تفكيك المغرب المتمركز على الرباط إداريا، وتنازل النخب السياسية والحزبية عن حسابات بالية مرتبطة بالانتخابات وبالامتيازات وبالمعارك الكلامية التي لا تنتهي، إلى أقاليم - جهات - تمتلك "قرارات إدارية واسعة" تحت مظلة "وطن واحد"، لتعمل كل منطقة على التنافس على النجاح لإصلاح الحال والاقتصاد، وتنمية كل قرية لاتزال تئن في القرن الحادي والعشرين تحت وطأة الفقر، وتعاني من التهميش والعزلة.

فخلال سنوات مرت، رافقت مبادرة محاربة الفقر عبر كل المغرب، ووقفت على محاولات فيها النجاح وفيها الفشل، لإرادة المملكة في الذهاب صوب المستقبل، فأن تفتح وزارة الداخلية أبوابها للصحافة لتراقب عن قرب ما يتم إنجازه في المبادرة، التي تحمل لقب "ورش ملكي"، أعتقد أن هذا "تغيير راديكالي" في تفكير من تلقب بـ"أم الوزارات" تاريخيا في المغرب.

لا أؤمن بمقولة "الاستثناء المغربي" أو "النموذج المغربي"، فكمواطن "فخور بوطني" بإيجابياته وسلبياته، وأؤمن بـ"تراكماته الإيجابية"، وأعرف جيدا أن هنالك "ملفات عالقة" تحتاج لإصلاح، وأولها مجال عملي المهني الإعلام والصحافة والنشر، لأن كل تجربة لدولة في "التراكم الديمقراطي" مثل المغرب، تحتاج إلى "صحافة مهنية وموضوعية" قادرة على "ممارسة المرافقة" بعيدا عن خلط المهنة بالنضال السياسي الضيق مع أخذ المسافة المهنية من السياسي ومن صانع القرار الإداري.

ففي خطاب عيد العرش - عيد الجلوس - الـ15، إعلان من العاهل المغربي لـ"جيل جديد من التحديات" بجرعات إضافية من مواجهة واقع المغرب، بعيدا عن تقارير تحاول أن تتحدث عن الإنجاز، بعيدا عن منطق "البرامج المرحلية" و"المخططات الخماسية أو العشرية"، لأن الوطن ليس أرقاما بل مواطنين، تتغير حياتهم، وأعتقد أن الاعتراف بالواقع كما هو أول النجاح في تقديري، فيما الباقيات الصالحات خير للجميع دوماً.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط