.
.
.
.

الأميركيون إذ يتنصلون من التزاماتهم في العراق

حميد الكفائي

نشر في: آخر تحديث:

في أواخر 2011، أجمع السياسيون العراقيون، بعد مماطلة وتردد وحوارات معمقة، على عدم التجديد لبقاء القوات الأميركية في العراق، وصادق البرلمان حينها على إخراج القوات الأميركية من العراق، التي امتثلت لإرادة ممثلي الشعب وخرجت في أواخر كانون الأول (ديسمبر) من ذلك العام.

لم يكن الوضع الأمني حينها مستتباً، لكنه كان جيداً مقارنة بالسنوات السابقة التي شهدت تدهوراً خطيراً، خصوصاً سنوات 2005-2007. غير أن الجميع كان يدرك أن مغادرة القوات الأميركية تنطوي على مغامرة خطيرة تعرّض العراق لخطر داهم، لكن القوى السياسية أقدمت عليها لأسباب آنية بحتة لم تأخذ في الاعتبار مصلحة العراق على الأمد البعيد.

معظم الكتل السياسية، باستثناء التيار الصدري، كان يتمنى لو بقيت القوات الأميركية لفترة أطول، ربما لعشر سنوات أخرى، لإسناد القوات العراقية غير المدربة وغير الجاهزة للاضطلاع بمهماتها، لكن تلك الكتل لم تكن قادرة على التصريح بذلك خوفاً من الاتهام بأنها تريد إطالة أمد بقاء قوات الاحتلال، فصادقت مضطرة على المغادرة، على رغم أن الجميع يعلم أن قوات الشرطة والجيش لم تكن في المستوى الذي يؤهلها لحفظ الأمن في الداخل أو صد أي هجوم خارجي كالذي يحصل حالياً في شمال وغرب العراق. لكن المصلحة السياسية حينها تغلبت على المصلحة الوطنية.

الكتل السياسية «المعارضة» كانت تتوقع من رئيس الوزراء نوري المالكي أن يتخذ هذا القرار كي تلقي عليه باللائمة وتتهمه بإطالة بقاء الاحتلال! لكن المالكي لم يقدِّم مثل هذه الخدمة لخصومه على طبق من ذهب، متوهماً بأن قواته العسكرية التي تجاوزت المليون منتسب، قادرة على حفظ الأمن ومواجهة الأخطار المحتملة، وآملاً في الوقت نفسه بأن الأميركيين سيفون بالتزاماتهم تجاه العراق وفق اتفاقية الإطار الاستراتيجية.

غير أن الأميركيين كادوا أن يطيروا فرحاً لهذا الإجماع العراقي الذي أراحهم من مسؤولية حفظ الأمن في العراق ووضع حد للخسائر البشرية والمادية التي تكبّدوها خلال ثماني سنوات قضوها فيه، وفي الوقت نفسه فإنه مكّن إدارة الرئيس أوباما من الوفاء بوعدها للشعب الأميركي بأنها ستسحب قواتها. العراقيون تصوروا أنهم ربحوا لأنهم «أخرجوا» قوات الاحتلال، حتى أن الحكومة أقامت احتفالاً بهذه المناسبة واعتبرتها نصراً وطنياً، والأميركيون فرحوا لخروجهم من دائرة الخطر وتمكنهم من تحقيق وعودهم الانتخابية. الطرفان مستفيدان، أو ظنّا هكذا، لكن الحقيقة هي أن كليهما خسر. العراق خسر الدعم والانخراط الأميركي في شؤون التدريب والإعمار والتعليم وإعادة العراق إلى المجتمع الدولي وما إلى ذلك من مجالات هو في أمسّ الحاجة إليها، بينما خسر الأميركيون موقعهم الاستراتيجي في العراق فاسحين المجال أمام خصومهم التقليديين، الإيرانيين، ليملأوا الفراغ. خرج الأميركيون قبل أن يتمّوا تدريب وتسليح القوات العراقية، بل لم يتركوا وراءهم قوة جوية حقيقية قادرة فعلاً على الدفاع عن العراق وحماية أجوائه وأراضيه.

العراق بدأ يواجه تبعات الاحتلال الاميركي وحيداً، فالاتفاقيات التي أبرمها الأميركيون معه ليست إلا حبراً على ورق، وإلا ما معنى التلكؤ في تنفيذ بنود «اتفاقية الإطار الاستراتيجي» بعد التهديدات الخطيرة التي يواجهها العراق من تنظيم «داعش»؟ فلا الطائرات الأميركية المتفق على شرائها ولا الكمية المطلوبة من صواريخ «هل فاير» وصلت الى العراق.

الحكومة العراقية أدركت أن الأميركيين لم يكونوا جادين في اتفاقياتهم، لذلك حاولت شراء أسلحة من روسيا منذ أكثر من عامين. لكن تلك الصفقة شابها فساد فتخلت عنها. الآن لجأ العراق إلى روسيا ثانية بعد أن تخلى الأميركيون عنه بطريقة غير معهودة وتنم عن قصر نظر لا يليق بدولة عظمى. يبدو أن الأميركيين لم تعجبهم الاستقلالية التي أبدتها الحكومة العراقية في سياستها الخارجية، خصوصاً في تعاملها مع إيران وتطويرها علاقات متميزة معها.

ينسى الأميركيون أن العراق لا يستطيع أن يعادي إيران نيابة عن الولايات المتحدة لأنه جار لها يتأثر بها ويتضرر منها. لقد عانى العراق طويلاً عبر الأزمان المتعاقبة من توتر العلاقات مع جارته الشرقية، كان آخرها حرب ضروس دامت ثماني سنوات عجاف تسببت في تدمير البنى الأساسية، المادية والاجتماعية، للدولة والمجتمع العراقيين. لذلك فإنه، وفي ظل دولة ديموقراطية لا يستطيع أن يغامر بتوتير العلاقات مع إيران القادرة بسهولة في الظروف الحالية على التأثير في سياساته الداخلية والخارجية.

الأميركيون صمتوا على انتهاك الجماعات الإرهابية حرمة الأراضي العراقية وسيطرتهم على ثاني أكبر محافظة عراقية هي نينوى، إضافة إلى مدن أخرى في محافظات ديالى وصلاح الدين والأنبار، وظلوا يتفرجون ويتذرعون بذرائع واهية ويفرضون شروطاً لا علاقة لها باتفاقية الإطار الاستراتيجي المعقودة بين البلدين. جماعة «داعش» الآن تقتل وتهجّر المسيحيين والأيزيديين والتركمان والشيعة والسنّة في الموصل والعالم يصمت صمت القبور، وهي الآن قاب قوسين أو أدنى من سد الموصل، فإن أقدمت على تدميره، فإن أكثر من مليون إنسان سيغرقون خلال ساعات.

هل المجتمع الدولي لا يستطيع حقاً مواجهة الجماعات الإرهابية في العراق وسورية التي بدأت تتمدد إلى لبنان، وحتى الأردن أصبح مهدداً؟ كثيرون لا يصدقون ذلك، وآخرون يعتقدون أن الأميركيين، أو ربما حلفاءهم الإسرائيليين، منخرطون بطريقة أو بأخرى في إدامة هذه الفوضى، وإلا ما معنى عدم نجدتهم للعراق الذي يستغيث منذ ثلاث سنوات، مع الاعتراف بوجود صبيانية سياسية عراقية غير قادرة على الخروج من قوقعة الحزب والطائفة؟

العراقيون غامروا بمستقبل بلادهم عندما سمحوا للأميركيين بالتنصل من مسؤوليتهم في إضعاف الدولة العراقية وخلخلة بناها الأساسية ثم مغادرة العراق من دون شروط، وهذه مسؤولية تتحملها الكتل السياسية، خصوصاً من كان يتبوأ موقع المسؤولية المباشرة. وفي الوقت نفسه، فإنهم لم يتمكنوا من بناء دولة قادرة على حماية نفسها من الأخطار الإرهابية، بل ظلوا منقسمين، يتفرج بعضهم على مصاعب الآخر، متوهمين أنها تطاول الخصوم فقط، متناسين أن أي مشكلة في هذا الجزء أو ذاك ستؤثر في كامل الجسد.

ومع كل التهديدات التي تنذر بانهيار العراق، ما زال بعض السياسيين يتصرفون وكأن العراق يعيش في بحبوحة من الأمان والرخاء ويحاولون الوصول إلى السلطة، وكأنها غنيمة وليست مسؤولية كبرى في هذه الأوقات العصيبة التي يعيش فيها سكان العراق، خصوصاً في الشمال والغرب، في قلق دائم من تدهور أكبر يقود إلى مزيد من الكوارث المدمرة.

*نقلا عن "الحياة"

www.alhayat.com/Opinion/Writers/4013818/الأميركيون-إذ-يتنصلون-من-التزاماتهم-في-العراق

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.