.
.
.
.

حصار رام الله وحصار غزة

أمل عبد العزيز الهزاني

نشر في: آخر تحديث:

أثناء تصويت الزعماء العرب على المبادرة السعودية للسلام، في قمة بيروت، مارس (آذار) 2002، نفذت حماس عملية انتحارية في فندق بارك في مستوطنة نتانيا قُتل فيها 30 إسرائيليا. كان ردا عمليا لموقفها من المبادرة، فأرسل شارون عسكره لمحاصرة ياسر عرفات في مقر السلطة عقابا وإذلالا، وكان قد منعه من مغادرة رام الله لحضور القمة. مبادرة وُلدت في أجواء مشحونة من الجانبين، في وقت لم تلتئم فيه جراح أميركا من أحداث سبتمبر 2001. في هذا الوقت المأزوم، دعا الرئيس بوش العاهل السعودي الملك عبد الله، وحينها كان وليا للعهد، إلى زيارة أميركا، لم يتجاوب السعوديون مع الدعوة ردا على الصمت الأميركي حيال جرائم شارون، لكن بوش الأب توسط لابنه، مؤكدا جديته في التوصل إلى حل، فقبل الملك عبد الله الدعوة التي كانت بعد شهر من انعقاد القمة العربية.

الإعلام الأميركي كان شغله الشاغل السعوديين الـ15 الذين شاركوا في تنفيذ هجمات سبتمبر (أيلول)، كانت ظروفا حالكة، وأزمات متلاحقة، مع ذلك استقبل المضيف الأميركي ضيفه بشكل خاص في مزرعته الخاصة في تكساس. تفاجأ بوش بأن أولويات الملك عبد الله هي القضية الفلسطينية، لا الدفاع عن الموقف السعودي من أحداث سبتمبر، ولا انتقاد الإعلام الأميركي. قال بوش للعاهل السعودي إن حماس التي تدعمونها ماليا وسياسيا كانت أول الرافضين لمبادرتكم، رد السعوديون بأن صديقك شارون سبقهم بالرفض. ثماني نقاط قدمها الملك عبد الله في تلك الزيارة لتحفيز عملية السلام، كان أولها فك الحصار عن مقر السلطة الفلسطينية في رام الله. وهكذا كان.

بعد انسحاب شارون من غزة في صيف 2005، ظن الفلسطينيون أنهم خرجوا بغنيمة، لكن شارون كان يعني ما يفعل، سيترك الفلسطينيين يتقاتلون على السلطة، في حفرة اسمها غزة، لا مخرج لأهلها من الفقر والفساد. وبتشجيع من واشنطن، وضعت حماس قدميها في فخ العمل السياسي، فانشق الصف الفلسطيني، وتجرأ الأخ على قتل أخيه على مرأى من العدو الصهيوني.

إنما المفاجأة الكبرى حصلت قبل الاقتتال، عندما استيقظ العرب، في صباح يوم كئيب، كان فيه خالد مشعل يحتفل بفوزه بالانتخابات التشريعية في طهران، منحنيا أمام ضريح الخميني، يحمل في يده إكليلا من الزهور، مصرحا بأن الخميني هو الأب الروحي لحركة المقاومة. طهران مثل شارون وحماس، تصيبها كلمة السلام بصدمة كهربائية، لأنها تقوض نفوذها، لذلك لا تحاول الاقتراب منها، فوجدت في الفصائل الفلسطينية الإسلامية؛ حماس والجهاد الإسلامي، هدفا ذهبيا بعد رفضهم لمبادرة السلام التي تقدمت بها السعودية، احتضنتهم ليدينوا لها بالولاء والفضل ويكونوا ذراعا سنية لها بمحاذاة الذراع الشيعية، باسم المقاومة على عدو الإسلام الكبير، وفي سبيل قضية تُعتبر المحرك الوجداني الأول للعرب، رغم أن إيران لم تقدم للقضية الفلسطينية منذ قيام ثورة الخميني سوى الاحتفال بيوم القدس كل عام مناسبة للثرثرة والوعود الكاذبة.

لا شك أن المقاومة الفلسطينية ضعفت بتحول المقاومين إلى وزراء وحكام، لأن إدارة الدولة لها متطلبات واستحقاقات، وأذكر هنا مقولة لأمين عام «حزب الله» حسن نصر الله، حينما كان الجدل يدور حول سحب سلاحه، قال إنه ليس من مصلحة الحزب ممارسة العمل السياسي، وإنه كحركة مقاومة يتحمل تداعيات عملياته، إنما إن كان جزءا من الحكومة، فسيتحمل كل اللبنانيين المسؤولية. حماس أرادت الحكم مكسبا سياسيا ضد غريمتها فتح، وأرادت الإبقاء على العمل المسلح الذي يضمن لها دخلا من الداعمين.

بعد الثورة السورية شعر خالد مشعل بالحرج من بطش بشار الأسد بالمدنيين الضعفاء، فسجل موقفا ضد ما يجري بخروجه من مقر إقامته في دمشق، فغضب أصدقاؤه في طهران ودمشق وأيضا «حزب الله»، لكن مشعل لم يكن قلقا من توقف الدعم الإيراني مع الاقتراب الوشيك لـ«الإخوان» في مصر من كرسي الحكم. قفز فصيل الجهاد الإسلامي، ببراغماتيته المعروفة، منتهزا هذا الانشقاق ليقول للإيرانيين: أنا الفتى! دون الاكتراث بمآسي السوريين، يقول رمضان شلح الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي إن مصدر أموالهم إيراني، والموضوع السوري لا علاقة لهم به، وليعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه! وكانت طهران حينها تمعن في إغاظة الحمساويين، فترسل مساعداتها الغذائية إلى غزة في صناديق مختومة بعلم الجمهورية الإسلامية وشعار حركة الجهاد الإسلامي.

خسرت حماس مصر، وها هي تعيد حساباتها رغبة في عودة الدعم الإيراني كما كان في السابق، وقد عاد في الحرب الأخيرة بعد تنسيق ولقاءات مع وفود إيرانية رسمية ومن «حزب الله»، في تركيا وقطر.

تتفاوض الفصائل اليوم في القاهرة على فك الحصار وفتح الميناء وإطلاق أسرى حماس، لا شيء من هذه الشروط له علاقة بالقضية الفلسطينية، لكن من عيّر أخاه بشيء انقلب عليه، فقد كتب الراحل عبد العزيز الرنتيسي مقالا أثناء حصار شارون لعرفات يقول إن دبابات شارون لم تحاصر مقر السلطة بسبب «عملية حماس الاستشهادية»، بل بسبب اتفاق أوسلو الذي كان اتفاقا أمنيا وليس سياسيا، لأنه لم يتضمن ثوابت القضية الفلسطينية، وهي حق العودة والقدس وإزالة المستوطنات. اليوم حماس التي أسسها الرنتيسي تفاوض من أجل إمارة غزية، متناسية ثوابت القضية.

البسطاء في الخليج وجهوا قبل أيام تهنئتهم لحماس بالنصر على إسرائيل، تهنئة برائحة الدم، والجوع، والردم والهدد، وأوصوهم بالحذر من أعدائها؛ «حزب الله» و«الإيرانيين الصفويين»! ضحكت حماس كثيرا على هذه الوصية، ضحكت بصوت عالٍ بلا مجاملة لخواطرهم، ثم أسمعتهم ردا قاسيا بأن الإيرانيين و«حزب الله» شركاؤنا، وأننا في غنى عن دعائكم الذي لا يجدي نفعا!

ينحني رئيس حركة حماس أمام قبر الخميني، ورمضان شلح يقول: ليعذرونا! والإخوة في الخليج ينسجون وصايا من الأماني.

*نقلا عن صحيفة "الشرق الأوسط"

classic.aawsat.com/leader.asp

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.