لبنان: في «هجاء» الاعتدال

بيسان الشيخ

نشر في: آخر تحديث:

ربما ما عاد يفيد الاكتفاء بتحميل «حزب الله» المسؤولية الكاملة عما آلت اليه أحوال الطائفة السنية في لبنان اليوم. فمن دون التقليل من شأن الأخطاء الجسيمة التي ارتكبها الحزب في السنوات الأخيرة، وذروتها مشاركته في قمع الثورة السورية والاصطفاف علناً الى جانب نظام دموي، ومن دون اشاحة النظر عما خلفه ذلك من تراكم احباطات ومظلوميات لعبت دوراً اساسياً في شحن البيئة السنية ودفعها الى خيارات قصوى، يبقى انه حان الوقت للبحث جدياً في ما حققه «الاعتدال» وزعاماته من مكتسبات لتياره السياسي عموماً وأبناء الطائفة تحديداً، منذ خروج الجيش السوري من لبنان وحتى يومنا هذا.

وما يجعل من اعادة التقويم تلك ضرورة ملحّة في هذا التوقيت بالذات، أحداث عرسال التي قدمت نموذجاً صارخاً عن حالات «التطرف السنّي» العابر للحدود، وعودة رئيس الوزراء السابق سعد الحريري بصفتها الترياق المفقود ومثال «الاعتدال» المنتظر.

وبين هذين النقيضين تقف الطائفة السنية الريفية والمدينية، البائسة والمرفهة، المتعلمة والأمية، المتحررة والمتطرفة... الخ. كأنها كتلة واحدة متجانسة مطلوب منها أن تختار بين الشر المطلق والخير المطلق. مرة أخرى اعتمدت المقاربات نفسها مع توقع نتائج مختلفة، وبدأ طمس التناقضات الداخلية واعتمد التبسيط والتعميم في مقاربة أزمات جماعة تشكل غالبية اللبنانيين وتستمد مظلوميتها من واقع محلي وظلم خارجي سواء في سورية أو العراق. ويترافق ذلك كله مع نكران تام للتطرف المستشري فيها ورفض للاعتراف بأسبابه الحقيقية، على اعتبار انه لحظة طارئة و «مؤامرة» خارجية لن تلبث أن تزول. هذا ولم نصل بعد الى أزمة اللجوء الكارثية التي تتحمل أعباءها تلك الفئات تحديداً.

والواقع أن التعامل مع الأزمات الملحّة وخصوصاً وسط البيئة السنية، يشبه الى حد بعيد تعامل الأهل مع تحديات تواجه ابناً مراهقاً من تدخين ومخدرات وجنس فيفترضون انها أمور تحدث لأبناء الآخرين وليس لهم. وأما حلّها السريع إن ألمّت بهم، فإعفاء النفس من المسؤوليات وإلقاء اللوم على الآخر وصرف مزيد من الاموال.

هكذا تماماً يتعامل تيار المستقبل مع جمهوره في 14 آذار (أو ما بقي منها) ومع رافعته السنية. فإلى جانب هوة هائلة في التعارف والتواصل بين القاعدة ورأس الهرم، وجهل المقررين في بيروت بضائقة الارياف وحاجاتها الفعلية، لا يبدو أن هناك رغبة صادقة في أي نقد ذاتي أو بحث جدي لتغيير السياسات المعتمدة والتي ساهمت بدورها في ايصال الامور الى ما هي عليه.

فإذا كانت أحداث عرسال أخرجت الاحداث عن سياقاتها، إلا انها تبقى رأس جبل الجليد. فلا ننسى أنه قبل عرسال كانت هناك عبرا وظاهرة الشيخ أحمد الاسير التي وعلى رغم فولكلوريتها، حشدت عدداً غير ضئيل من الشباب السنّة الغاضبين. وبين هذه وتلك، أكثر من 25 جولة قتال في طرابلس لا يزال جمرها متأججاً. ولا يزال سياسيو المدينة، وهم لا يقلون «سنة واعتدالاً» يبتزون قادة المحاور فيها فيمولونهم منهم حيناً أو يأمرون باعتقالهم حيناً آخر.

وأما جرس الانذار الذي آثر الجميع تجاهله، أي انشقاق جندي من الجيش اللبناني وانضمامه الى جبهة النصرة، فأصداؤه تردد عالياً في طرابلس وريفها. فالشباب الغائر في الفقر والاهمال والاحباط السياسي، يرى في ذلك المنشق بطلاً حقيقياً، لا سيما أن الاحتقان من المؤسسة العسكرية ليس وليد أحداث عرسال.

ذاك أن ما اكتشفه أهل البقاع بالامس وأفصح عنه بعض الاهالي من تجاوزات وتعديات على الاملاك الخاصة، اختبره الشماليون في نهر البارد والصيداويون في أحداث عبرا. وهذا مزاج عبر عنه صراحة ثلاثة نواب من طرابلس، ورافقته فتوى بتحريم القتال الى جانب الجيش اللبناني. وصحيح أنه تمت لفلفة الامور، لكن اصلاح العطب الحقيقي لا يزال معلقاً.

لذا من غير المستغرب ألا ترحب هذه البيئة السنية المتشنجة (وهي غير مرحبة اصلاً) بتمويل الجيش ودعمه طالما لم يترافق ذلك مع فرض شروط سياسية وتغيير في مواقع القرار. فبالنسبة الى هؤلاء، لمَ سيمول جيش يأتمر بأوامر «حزب الله»؟ ولم يرع سعد الحريري نفسه تلك الخطوة عوضاً عن صرف الاموال في مناطق الحرمان السنّي فيتم تجفيف منابع التطرف بخطط انمائية حقيقية؟

أما المبلغ الذي تم التبرع به لعرسال، والذي يشبه المكرمات الظرفية لا الواجب الرسمي، فهو جزء ضئيل من الحاجات الملحّة لا لعرسال وحدها وإنما لكل المناطق اللبنانية وأولها الاطراف السنّية المرجحة للاشتعال في أي لحظة.

والواقع إن «الاعتدال السنّي» الذي بدأ التغني به أخيراً بصفته يمثل غالبية المزاج السنّي، لم يأت على أبناء الطائفة إلا بمزيد من الضيق والإفقار. فمن اختيار نواب لا يمثلونهم ولم يسعوا لاحقاً الى تحقيق مصالحهم، ومن اذعان تلو الآخر لـ «حزب الله» وتغاض عن الازمات اليومية، وغياب الحريري لسنوات ثلاث تزامن وتقهقر مؤسساته وتراجع القدرات المالية والخدمية لتياره السياسي، مقابل توسع حلقة فساد حوله، وغير ذلك مما ليس الحين لذكره، كيف سينجح الرجل في تسويق فكرة «الاعتدال» لقاعدة شعبية لم تطلها نعمه؟

لا بل أكثر من ذلك، تلك القاعدة باتت اليوم على يقين تام بأن خيارها العنفي، سواء في التفجيرات التي طاولت معاقل «حزب الله» أو انضمام شبانها الى تنظيمات متطرفة، هو الذي فرض تغيير شروط المعادلة الداخلية وليس «الديبلوماسية الحريرية». فإذا اقتنع الخارج وتحديداً ايران، بضرورة افساح بعض المجال امام الاعتدال السنّي وتنفيس احتقانه، يبقى ان الداخل ينتظر مواجهة أزماته والاعتراف بها أولاً عوضاً عن الاستمرار في طمسها وإنكارها.

وفي لحظة مصيرية كهذه، كان يمكن الحريري ان يستلحق شيئاً من الفرص الضائعة ويعود من منفاه القسري زعيماً لبنانياً عابراً لطائفته فيرمم بعض الصدع الذي أصاب قاعدته، ويصحح العلاقة مع الشريك المسيحي فيفرض شروط معادلة سياسية جديدة ويفاوض من موقع قوي أثبتت الأحداث مدى الحاجة الى نهج سياسي يفترض أن يمثله.

لكن يبدو للأسف ان شيئاً من ذلك لن يحدث. فالرجل اكتفى اليوم بأن يعود اطفائياً لنيران تشتعل هنا وهناك، وزعيماً سنياً يرفع راية الاعتدال فيما الطائفة تبحر في سفن لا تشتهيها رياحه.

نقلا عن صحيفة "الحياة"

www.alhayat.com/Opinion/Bissane-ELCheikh/4146504/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86--%D9%81%D9%8A-

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.