.
.
.
.

«إمسك إخوانى»

عماد الدين حسين

نشر في: آخر تحديث:

مواطن مسيحى اختلف مع موظف مسلم فى إحدى الوزارات، بشأن أمر عادى جدا، وطلب الموظف من المواطن استكمال الأوراق. لم يعجب الكلام المواطن الذى استطاع الوصول إلى الوزير نفسه واتهم الموظف بأنه إخوانى ومتطرف ويريد تعطيل أوراقه فقط لأنه مسيحى.
الوزير اهتم بالأمر، وحقق فى المسألة شخصيا واكتشف أن الموظف لا إخوانى ولا سلفى وليس له فى السياسة من الأساس.
الوزير هو آخر شخص يمكن اتهامه بأنه إخوانى أو متعاطف معهم، وربما يكون الأكثر معارضة لهم. الوزير حكى لى هذه القصة صباح الخميس الماضى حينما كنا نحضر معا احتفال هيئة الرقابة الإدارية بذكرى تأسيسها الخمسين بحضور رئيس الجمهورية.
الرواية استمع إليها معى إعلاميان كبيران، وكان موضوع النقاش العابر هو تزايد حمى «إمسك إخوانى» التى صارت سيفا يتم استخدامه بحق أحيانا ومن دون حق فى معظم الأحيان.
أتفهم قيام وزارة الكهرباء بنقل بعض القيادات الإخوانية المعروفة من مناصب حساسة إلى وظائف أخرى غير مرتبطة بالمعلومات، بسبب ما يقال عن دور لهم فى العمليات التخريبية التى تتعرض لها بعض المنشآت من محولات وأبراج ومحطات، من دون أن يؤثر ذلك على الحقوق الوظيفية للمنقولين المشكوك فيهم.
لكن السؤال هو: كيف يمكن حماية الأمن القومى وفى نفس الوقت وقف هذه الحمى التى يستخدمها كثيرون للانتقام من أى شخص لا يعجبهم؟.
المواطن المسيحى الذى تصور أو توهم أن الموظف إخوانى، ربما كان معذورا لأن غالبية الناس تفعل ذلك أحيانا إما لتريح نفسها أو لتبعد منافسا عن وظيفته أو لأى سبب آخر؟.
التوسع فى حكاية «إمسك إخوانى» الآن تذكرنا بحكاية «إمسك شيوعى» التى انتشرت بأمريكا فى الخمسينيات من القرن الماضى.
فى هذه الفترة شن النائب الجمهورى جوزيف ريموند مكارثى «1908 ـ 1957» حملة دعائية ضخمة للقبض على العديد من المعارضين الليبراليين فى المؤسسات الأمريكية المختلفة بحجة أنهم شيوعيون يعملون جواسيس للاتحاد السوفييتى، وتم إبعاد العديد منهم بالفعل من دون أدلة، وفى عام 1954 تم تعنيفه رسميا بواسطة مجلس الشيوخ لضعف مصداقيته.
مرة أخرى الإخوان خطر فعلى على الأمن القومى بسبب أفكارهم المتطرفة، لكن علينا ألا نظلم شخصا بريئا ونتهمه بأنه إخوانى من دون دليل واضح.. وحتى إذا كان هناك إخوانى يعيش فى حاله وليس له دخل بأى أعمال عنف ولا يخرق القانون وليس هناك أى أدلة ضده، فكيف نظلمه؟!.
ليكن المعيار هو الأفعال والوقائع المحددة وليس الاتهامات المرسلة.
الإخوان الذين يخرقون القانون كثيرون، والذين لا يمانعون إسقاط الدولة كثيرون أيضا، علينا أن نحاسبهم على أفعالهم الإجرامية، وليس على نواياهم أو لمجرد أن «شكلهم لا يعجبنا».
التوسع فى هذه الأمر سيقود إلى مكارثية جديدة لسنا فى حاجة إليها.
المكارثية الجديدة تعنى أن أذهب إلى وسائل الإعلام أو أجهزة الأمن وأتهم زميلى بأنه إخوانى قديم أو متعاطف معهم، أو حتى أتهم شخصا عاديا بأنه إرهابى لكى أضرب عصفورين بحجر.
قد تريح هذه السياسة بعض المسئولين الذين لا يريدون التأكد من الحقائق، لكنها فى المقابل ستدمر العديد من الأسر والمؤسسات، والأخطر أنها ستتحول إلى أخطر قنبلة حقيقية يمكن أن تنفجر فى وجه المجتمع بأكمله، وبالطبع فلسنا بحاجة إلى مزيد من القنابل.. فلدينا منها ما يكفينا ويزيد.


*نقلاً عن "الشروق" المصرية
http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=31082014&id=8f4326f3-64a2-42b6-bc3d-7e66b5c10562

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.