.
.
.
.

الراقصة التى انشغل بها السلفيون

سليمان جودة

نشر في: آخر تحديث:

يتسق السلفيون مع أنفسهم تماماً، عندما يحتشدون هذه الأيام، من أجل وقف برنامج «الراقصة» على قناة «القاهرة والناس»!

يتسقون مع أنفسهم، لأنى راهنت نفسى، كما راهنت غيرى مراراً، منذ ثورة 30 يونيو 2013، على أن أضبطهم متلبسين بالحضور فى أى قضية جادة.. ولكن دون جدوى!

يتسقون مع أنفسهم، ويخيبون ظنى، وظن غيرى فيهم، عندما أجدهم حاضرين بربطة المعلم أمام هذا البرنامج، ثم أفتقدهم، ويفتقدهم غيرى إذا ما دعت الدولة - مثلاً - إلى الاستفتاء على الدستور فى يناير الماضى!

والغريب أنهم هم أنفسهم كانوا موجودين فى لجنة الخمسين التى أقرت دستورنا الحالى، وكان ممثلوهم فى اللجنة قد أقروا مع غيرهم مواد الدستور، مادة مادة، فلما جاء يوم الاستفتاء الذى هو يوم الجد، غابوا جميعاً، وكان غيابهم، ولايزال، علامة استفهام كبرى، ثم كان ولايزال يطرح تساؤلاً أهم، عما إذا كان من الجائز لمن يسعى بيننا بما قال الله تعالى، وقال رسوله الكريم، أن يقول شيئاً ثم يفعل عكسه، أو أن يحضر وقت الكلام ثم يتوارى وقت الفعل؟!

يتسقون مع أنفسهم تماماً، ويخيبون ظنى، وظن غيرى فيهم، عندما لا يجدون شيئاً فى جبال الهموم التى تحيط بنا من كل جانب سوى برنامج يتكلم عن الرقص الشرقى باعتباره فناً من فنون الفولكلور الشعبى المصرى الأصيل، وباعتباره لوناً من ألوان التعبير عن البهجة والفرح، وقد كانت لقطاته فى أفلامنا القديمة من بين محطات السعادة الكبيرة للمشاهدين ولاتزال.

لا يجد السلفيون شيئاً يستحق اهتمامهم أو احتشادهم فى مشروع قناة السويس، ولا فى مشروع توشكى، ولا فى الإرهاب الذى يحصد أبرياء كل يوم باسم الإسلام، ولا فى مشروع إنشاء عاصمة جديدة للبلاد، ولا فى انتخابات البرلمان المقبلة، ولا فى أرض مطار إمبابة التى يجب أن تكون كلها، لا بعضها، من نصيب تلاميذ مدارس وسط البلد والدقى والمهندسين، ولا فى تعليمنا المتراجع بوجه عام، ولا فى مستوى الرعاية الصحية المبذول للناس وهو مستوى مخجل، ولا فى الشوارع التى غاب عنها الهدوء والنظافة، ولا.. ولا.. إلى آخر بلايانا التى هى بلا عدد.. لا يجد السلفيون شيئاً من هذا يستأهل احتشادهم، واهتمامهم، وتركيزهم، ولكنهم يجدون البرنامج المقصود أحق، بالطبع، بالاهتمام والاحتشاد والتركيز!

كنا قد استبشرنا خيراً بعد 30 يونيو، عندما اختار السلفيون أن ينحازوا إلى خريطة الطريق، وقلنا وقتها، ولانزال للأمانة نقول إن موقفاً من هذا النوع من جانبهم سوف يظل يحسب لهم قطعاً، لأنهم مالوا فيه إلى فكرة الوطن ضد فكرة اللاوطن التى أرادها الإخوان منذ البداية، غير أن هذا وحده لا يكفى.

لا يكفى، لأننا نريدهم حاضرين، ومحتشدين، وجاهزين، فى قضايا الوطن الكبيرة والجادة، من نوع ما ذكرت حالاً، وليس من نوع برنامج لن يقدم فى موضوعه ولن يؤخر!

أريد أن أضبط السلفيين متلبسين، ولو مرة، بتبنى قضية مهمة من قضايا مستقبلنا لا ماضينا، لنصدق وقتها فقط أنهم يعيشون بيننا، وليس فيما قبل القرن الأول الهجرى!

أريد أن أضبطهم متلبسين بالحياة بيننا فى عام 2014 وفيما بعده، وليس فيما قبل قرون طويلة مضت، وعندها.. عندها فقط.. سوف أصدق أن موقفهم فى 30 يونيو 2013 كان عن قناعة، وعن إيمان، وعن يقين، ولم يكن مجاراة لواقع الحال!.

* نقلا عن "المصري اليوم"

m.almasryalyoum.com/news/details/515599

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.