.
.
.
.

عبء «ما بعد داعش»!

يوسف الديني

نشر في: آخر تحديث:

أبو مصعب السوري واحد من أهم أيقونات حركات العنف المسلح المعاصرة، وقد يتفوق على المرجعية الشرعية البارزة أبي محمد المقدسي في الجانب العملي لا التنظيري، لكنه - أعني أبا مصهب - أيضا يمتاز برؤية استشرافية لمستقبل «القاعدة» والعنف، وفي كتابه الهام المقاومة الشاملة الموسوعة الجهادية الأساسية في فهم طبيعة الفروقات الصغيرة بين تيارات العنف المسلح والتغيير الثوري يؤكد على أن واحدا من أخطاء «القاعدة» أنها تحولت إلى منظمة. ويضيف: «يجب أن تعود (القاعدة) ما قبل المنظمة ولا ينبغي لها أن تغدو منظمة لأنها دعوة ومرجعية ونهج.
طبعاً هذا النص القاعدي الكلاسيكي يمرّ الآن على يد «داعش» وأخواتها بحالة «تجاوز مفاهيمي» إذا ما أردنا أن نقرأ خطابات ما بعد «القاعدة»، ليس بسبب جهود ومثابرة فكرية أو نقاش، وإنما بسبب قراءة دقيقة لاستراتيجيات الحرب الأميركية على الإرهاب، والتي تفهمها «داعش» جيداً وتحاول اللعب على تناقضاتها، ففي النهاية من يتحمل عبء «داعش» هو الدول المهددة بخطر الإرهاب وعلى رأسها السعودية أكثر من استهداف الولايات المتحدة ذاتها، وإن كانت الأخيرة لا تزال تشتري تعاطفاً كبيراً رغم مرور كل هذه الفترة على 11 سبتمبر (أيلول)، لكنها تدرك أن «المقاتلين الفوضويين» الآن باتوا تحت كنف دولة تمنحهم الوهم الجميل بدءا من رعاية الخليفة وانتهاء بما يعده من أسلوب عيش وحياة كان في السابق مجرد مخيلة تراجيدية كوميدية في آن واحد لا يمكن أن تتجاوز خيالات «المقاتلين».
في السابق أعلن السلوك الأميركي في الحرب على الإرهاب على مرحلة ما بعد 11 سبتمبر، وكانت أقرب إلى العمل الفردي لمارد جريح منها إلى استراتيجية لا تقفز على المؤسسات الدولية والمبادئ القانونية حتى في مكافحة سرطان الإرهاب والتي أدى التخلي عنها والسير بشكل منفرد إلى كوارث في المنطقة لا تزال عبئاً أمنياً كبيراً على الأنظمة العربية التي يعيش بعضها الآن بسبب «داعش» حالة تهديد وجودي وليس مجرد خطر احترازي كالسابق.
إن النجاح المبهر لـ«داعش» في تسويق فكرتها العنفية وربطها بالثورة التقنية واستغلالها بدءاً من التوثيق والتصوير إلى درجة تدريب الأطفال على ذبح الدمى ووصولاً إلى مسايرة ومواكبة صرعات المراهقين والمشاهير ومن أبرزها تحدي الثلج الذي تم إضافة «دماء المرتدين» لإعطائها نكهة «داعش» الوحشية، التي باتت تتصدر الأخبار كجزء من إشهارها بطريقة عكسية لا تليق بالرسالة الإعلامية وإن كانت تلبي شرهه لكل ما هو غريب.
نشاط «داعش» في المنطقة في ازدياد، حتى وإن كانت نهايتها عسكرياً باتت وشيكة، وهو الأمر الذي سيعيد طرح كثير من الأسئلة حول جدوى الانكفاء على الحل الأمني وحده، لأن «داعش» قادرة على خلق مناطق فوضى والعمل على إرباكها من خلال استغلال الفراغ السياسي أو حتى تلك الآثار الخطيرة على معالجة ملف الإرهاب من زاوية أمنية فقط من دون إعطاء الأولوية للجوانب الفكرية والثقافية، وهو الأمر الذي ظل منذ رفع شعار الحرب على الإرهاب مقصوراً على النخب الثقافية (للآن لم يلعب الخطاب الديني دوره الحقيقي حتى على مستوى الرد على مفاهيم داعش الجديدة).
في الشق العسكري نحن أيضا أمام مرحلة مقبلة مشابهة لما بعد 11 سبتمبر يمكن القول إنها أكثر سوءاً وهي مرحلة ما بعد «داعش»، فالعسكريون الغربيون يقيمون الإرهاب على الأرض بمناظير عسكرية محضة على طريقة حرب العصابات دون النظر في الآثار الاجتماعية والأجيال الجديدة التي نمت في حضن «داعش» طيلة الفترة الماضية.
بعد 11 سبتمبر صدر نقد كبير لانفراد الولايات المتحدة بالحل، وكل التقارير كانت تتحدث عن ذات المعضلة؛ عبء ما بعد الضربات العسكرية الخاطفة بل نص على أن «الأساليب غير القانونية أدت إلى زيادة قدرة الإرهابيين على تجنيد الناس، وأضعفت الجهد الشعبي لجهود مكافحة الإرهاب».
إن المستفيد الأول والأخير من التمركز حول الحل «الأمني» على نجاعته هو الفئات المستهدفة من الإرهابيين الذين يقفون على الحياد من أفكارها، ففكرة الانخراط في مجموعات متطرفة تزداد قبولاً في المناطق التي تخلو من برامج حماية فكرية وتربوية، فغياب برامج من هذا النوع تترجم عادة إلى مواقف حدية منفعلة تنتظر لحظة الغليان التي يغيب معها أي حديث عن المنطق والعقل. المخرج من هذه الأزمة هو إيجاد طريق ثالث خارج عسكرة قضية الإرهاب التي هي قضية آيديولوجية ثقافية بالدرجة الأولى عبر برامج استراتيجية طويلة المدى على الصعيد الفكري والتربوي والاجتماعي والاقتصادي.. مع إعادة الاعتبار لملف «الحقوق» ليصبح ذا صبغة دولية ولو عبر ميثاق عالمي لحقوق الإنسان وتعريف الإرهاب وطرق مكافحته، ويجب - والحال كذلك - ألا يستهان بثقل المجتمع الدولي ما دام الإرهاب اليوم معضلة دولية، وكل المؤشرات تؤكد أنه ظاهرة قابلة للتمدد والانتشار إذا جرت معالجته بشكل انفرادي وحصري وعبر الأدوات التقليدية ذاتها!
إنها بحسب تعبير أحد الفلاسفة الغربيين موجة الإرهاب الذي يعمل كشبكة مفتوحة على كل الجهات وليس كمنظمة من السهل سحقها عسكرياً، لكننا الآن بإزاء تفوق تقني ودعائي عالي المستوى، نحن أمام أجيال شابّة متعلمة شغوفة بفكرة بناء صروح من الموت المجاني وفي الوقت ذاته يوظفون كل طاقاتهم التقنية لخدمة تلك الفكرة الكارثية، فماذا نحن صانعون في مرحلة «ما بعد داعش»!


*نقلاً عن "الشرق الأوسط"
http://classic.aawsat.com/leader.asp?section=3&article=786451&issueno=13069#.VA9zqb5fooB

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.