.
.
.
.

الحرب على «داعش» ولاّدة حروب ومشاريع تقسيم؟

جورج سمعان

نشر في: آخر تحديث:

الحرب على «داعش» لن تكون طويلة فحسب. قد تكون ولادة حروب قديمة جديدة. الحرب الدولية - الإقليمية على الإرهاب في بلاد الشام قد لا يكون حظها أفضل من الخطة الأميركية لبناء شرق أوسط جديد. لن تثمر أفضل مما أثمرت في أفغانستان ثم في العراق. ثمة توافق على أن هذا الحشد الدولي الواسع لن ينجح في القضاء على هذا التنظيم الإرهابي ما لم يشمل مسرح العمليات في العراق وسورية معاً. وثمة حرص على بناء «جيشين» جديدين يمهدان لترسيخ دعائم حكمين مختلفين في بغداد ودمشق. المقاربة ليست واحدة هنا وهناك. كانت نقطة الانطلاق في بلاد الرافدين وجوب قيام حكومة جديدة مختلفة من مهماتها العاجلة، كما وعد رئيسها حيدر العبادي، بناء جيش بديل قوامه الحرس الوطني. أي أن تتولى كل محافظة إنشاء حرسها من ابنائها تحت رعاية وزارة الدفاع. هذا التوجه فرضته سياسة استرضاء أهل السنّة وتشجيعهم على خوض المواجهة مع الإرهاب. وفرضه بعض ما يجري في عدد من النواحي والدساكر التي تحررها قوات الوزارة و «البيشمركة». إذ لم يخف أبناء هذه النواحي غضبهم من ممارسات هذه القوات التي تتعامل مع العرب السنة كأنهم جميعاً من أتباع «أبي بكر البغدادي». وفرضه الخوف من مد إيران نفوذها في المناطق «المحررة».

استدعى انطلاق الحرب في العراق شروطاً سابقة فرضتها الإدارة الأميركية. كان من نتائجها الأولى قيام حكومة وفاق جامعة في بغداد لا تقصي أحداً. الهدف طي صفحة الماضي، صفحة نوري المالكي الذي لم يستسلم حتى آخر لحظة. رفض الانصياع لجميع الضغوط الداخلية والخارجية. وهدد رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف وحرك في الليلة الأخيرة بعض «قواته». كاد على وشك القيام بانقلاب على غرار ما كان تفعل الجيوش العربية. لكن إنذاراً أميركياً حاداً وجاداً وحاسماً دفعه إلى تغيير كل حساباته. زعيم «دولة القانون» لا يزال موجوداً عبر موقعه في الرئاسة وعبر وزراء مروا في حكومته. كما أن الخلافات على حقيبتي الدفاع والداخلية لم تبدد مخاوف بعض غلاة السنة وهواجسهم. أي أن ما تمخضت عنه تشكيلة العبادي كان دون المتوقع في أوساط المحافظات «الثائرة».

بعيداً من هذا الخلل الذي يمكن إصلاحه بتدخل قوى غربية وإقليمية، تبقى المسألة الأهم في الورشة الجارية لبناء الجسم العسكري الذي سيواجه «داعش» ميدانياً، مواكباً الغارات الجوية لقوى التحالف الدولي - الإقليمي. إن صيغة تولي أبناء المحافظات بناء قواهم الذاتية، أياً كانت التسوية، قد لا تكون حلاً أفضل من المؤسسة العسكرية التي أنشأها المالكي ووصفت بأنها طائفية مذهبية تداعت فرقها عند إطلاق الإرهابيين أول رصاصة. الواضح أولاً أن أبناء المحافظات السنية سيحاذرون الانخراط في الحرب قبل أن يطمأنوا إلى حضورهم السياسي في مواقع القرار في بغداد، وطي صفحة الإقصاء والإبعاد نهائياً. ولن يقبلوا ثانياً بتقدم قوات الجيش و «الحشد الشعبي» و «البيشمركة» إلى المناطق التي قد تنسحب منها قوات «أبي بكر البغدادي» تحت وطأة الغارات الجوية لطائرات التحالف. يخشى هؤلاء أن يتمدد نفوذ القوى الكردية أو الشيعية إلى مناطقهم، ومعه النفوذ الإيراني الذي طالما نظروا إليه سبباً في تمكين خصومهم في شؤون البلاد والعباد. وهذه المخاوف في محلها. الذين خسروا عسكرياً وسياسياً من قيام «دولة الخلافة» لن يتأخروا عن الثأر. والسؤال الأهم، ثالثاً، كيف يمكن الركون إلى جيش لا تجمعه عقيدة واحدة وهو موزع على أهالي أقاليم متناحرة مذهبياً واثنياً؟ توزع الفرق وأسلحتها في مناطق انتشار مذاهبها وصفة ناجعة لولادة حروب أهلية مع نشوب أي خلافات كبيرة بين الأقاليم كتلك التي ولدتها حكومتا المالكي. بل وصفة ربما عجلت في مشاريع التقسيم وانضاجها.

لن تكون الحال أفضل في الساحة السورية. كان الشرط الأول في العراق لبدء الحرب على «داعش» قيام حكومة جديدة جامعة لكل المكونات والقوى في هذا البلد، على أن يلي ذلك قيام قوات من أبناء هذه المكونات، كردية وشيعية وسنية. لكن بدء الحرب في الساحة السورية يبدأ بوصفة معكوسة، كما يصرح أصحاب التحالف. أي أن الكلام على مد فصائل المعارضة المعتدلة بالعتاد اللازم لتكون قادرة على مد سيطرتها في مناطق قد يخليها التنظيم الإرهابي. لكن هذه الفصائل تقتصر عناصرها على أبناء أهل السنة، وهم أكثرية سكان البلاد. وهذا ما لا يطمئن الكتلة العلوية وغيرها من القوى التي تلتف حول النظام في دمشق. أضف إلى ذلك أن «الجيش الحر» المعني بالتسليح الموعود ليس القوة الكبرى في الميدان. هناك فصائل أقوى عديداً وعتاداً، وبعضها إسلامية متشددة لا تخفي معارضتها ضرب «الدولة الإسلامية»، وإن لم تكن مشمولة بالحرب اليوم، علناً على الأقل. وهي تخشى أن تكون الثور الأبيض المعد للذبح بعد الثور الأسود. وبعضها الآخر أكثر قدرة على ملء الفراغ من «الجيش الحر». كما أن بناء جيش رديف للجيش السوري منزه عن الطائفية والمذهبية، كما يقترح بعض الدوائر، ليكون جاهزاً لتسلم زمام الحكم بعد إطاحة النظام، عملية سياسية معقدة وطويلة. كما أن مثل هذا الجيش سيقتصر بداية على أبناء مكون واحد من المكونات السورية. أي أنه سيواجه مقاومة شديدة من القوات التي تقاتل اليوم في صفوف جيش النظام. وهي قوات خسرت حتى الآن في الحرب الدائرة منذ أكثر من ثلاث سنوات أكثر من ربع عديدها. وهي تخوض حرباً مصيرية لا تحدد مستقبل الرئيس بشار الأسد ودائرته الضيقة وحدهما، بقدر ما بات الأمر يتعلق بمصير طائفة بعينها وبعض الأقليات والقوى التي تواليها. وهي بالحسابات العسكرية أقوى من أن تهزم وتنهار سريعاً كما كانت حال قوات العقيد معمر القذافي، أو حال بعض الفرق العراقية التي تراجعت أمام هجوم «داعش».

وهناك حسابات أخرى على رأسها أن إيران المستبعدة من التحالف لا تبدي أي استعداد حتى الآن للمساومة على رأس النظام في دمشق، لئلا تخسر كل ما بنت طوال عقود في بلاد الشام. قدمت حتى الآن تنازلات في العراق يمكن أن تستعيدها إذا حشرت في الزاوية. يمكن أن تتمدد الميليشيات الشيعية الموالية لها في المناطق التي ستخليها «داعش». وهي قدمت إلى الكرد ما لا يمكن أن ينسوه، على ما قال رئيس الإقليم مسعود بارزاني. «كانت إيران أول دولة تمد الكرد بالمساعدات العسكرية العاجلة لوقف تقدم قوات الدولة الإسلامية». وهي لها دين قديم على حزب الاتحاد الوطني الذي ساندته في حربه مع الحزب الديموقراطي الكردستاني. وبالأمس بدأ مقاتلو الاتحاد يشكون من قلة ما يصلهم من سلاح تتسلمه اربيل من المانحين! إلى موقف طهران المتوعدة والمهددة بالويل والثبور، سارعت روسيا والصين إلى ابداء معارضتهما أي تدخل جوي في سورية من دون موافقة النظام. وسيخلف هذا عقبات سياسية، وإن كانت قرارات مجلس الأمن القديمة (بعد 11 أيلول / سبتمبر) والجديدة (الخاصة بداعش) تفرض على كل الدول المساهمة في الحرب على الإرهاب. وليس خافياً أن الكرملين يمارس في أوكرانيا ما يعارض ممارسة الآخرين له في سورية. يتدخل سياسياً وعسكرياً في أراضي جارته من دون أي مسوغ قانوني دولي. مرة بذريعة حماية الأقلية الروسية. وتارة بوجوب تمدد حلف الأطلسي وحماية أمنه القومي...!

بررت إدارة الرئيس باراك أوباما سياستها حيال سورية بالخوف من اليوم الثاني لسقوط النظام. وكانت ولا تزال تأمل في تسوية سياسية تحافظ على هياكل الدولة وتوفر الحماية للأقليات. وتأمل بأن تؤدي الحرب على «داعش» إلى تقوية شوكة خصومه المعتدلين لعله يجبر على التسوية التي رفضها في جنيف اولاً وثانياً. أي أنها تسعى إلى ما يمكن تسميته نصف انتصار للمعارضة بحيث يقوم حكم لا يستثني طائفة أو مذهباً. عماده صيغة تكاد تكون مستحيلة بعد أنهر الدماء وخراب الحواضر والأرياف، تقوم على رفع الظلم عن الأكثرية وتوليتها السلطة وطمأنة الأقلية على مصيرها ومستقبلها. كما أن مثل هذا الخيار قد لا يتحقق في ظل الحضور الراسخ لحلفاء دمشق، من إيران إلى روسيا اللتين لن تسمحا بتغيير جذري في مجريات الحرب الدائرة في الأراضي السورية. وإذا قيض للتحالف القدرة على حشر نظام الأسد، قد لا يكون أمامه سوى الإقامة في مناطق ثقله الديموغرافي في انتظار تبدل الظروف والمعطيات أو نضج رسوم الخرائط الجديدة في المنطقة. ولا شك في أن موسكو وطهران تملكان نسخاً عن هذه الخرائط، ما دامتا تلعبان بخرائط كثيرة قريبة وبعيدة بلا تردد... إلا اذا حدثت مفاجأت تبدو مستبعدة اليوم بقيام حركة في صفوف الجيش بتفاهم مسبق تضع الازمة على السكة السياسية مجدداً ويكون ثمنها رأس النظام.

إلى كل هذه العقبات التي تقف في وجه الحرب على «داعش»، لا تقف القوى السنية التي يلقى على عاتقها مد هذه الحرب بالمال والرجال، على سوية سياسية واحدة. وتركيا وقطر ومن يواليهما في الميدان هنا وهناك مثال على ذلك. وهذا الخلاف من العوامل التي قد لا تعيق مجريات الحرب لكنها لا تسهلها. يبقى سؤال كبير ماذا عن «الدواعش» الآخرين المنتشرين من ليبيا ونيجيريا إلى اليمن وباكستان وأفغانستان وما بينها؟

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.