ما سرّ الأردن؟

خير الله خير الله
خير الله خير الله
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

في الأردن، على العكس مما يجري في دول أخرى كثيرة، يحثّ الملك عبدالله الثاني مواطنيه على السير في الإصلاحات إلى النهاية. يندرج ذلك في سياق سياسة متكاملة تستهدف تحصين المملكة الهاشمية. استطاع الأردن تجاوز ما يسمّى «الربيع العربي» بأقلّ مقدار من الأضرار، بل استفاد من هذا الربيع كي يكون لديه ربيع خاص به اسمه «الربيع الأردني».

ما سرّ الأردن؟ الجواب في غاية البساطة وهو عائد إلى أن الأسرة الحاكمة في الأردن لم تؤمن يوما بالعنف، بصفة كونه وسيلة من أجل الاحتفاظ بالسلطة. هناك شرعية للملك في الأردن وهذه الشرعية نتيجة طبيعية لوجود علاقة عضوية بين العرش والأردنيين. هناك شعب متصالح مع الملك وهناك ملك متصالح مع شعبه. هل أفضل من هذه المعادلة لضمان مستقبل أفضل للأردن والأردنيين في الوقت ذاته؟

الأهمّ من ذلك كلّه أن الإصلاح السياسي في الأردن ليس ابن البارحة وليس وليد ظروف معيّنة فرضت نفسها على الملك. الإصلاح في الأردن نهج سياسي بدأ مع قيام المملكة وتكرّس مع صعود الملك الحسين، رحمه الله، الى العرش. استمرّ الإصلاح بوتيرة أكثر سرعة في عهد الملك عبدالله الثاني ابن الحسين الذي أكّد مجددا أنّه يقود الإصلاحات وأن التحديات السياسية والاقتصادية لا يمكن أن تكون مبررا لأي تأجيل للخطوات الإصلاحية. على العكس من ذلك، هناك رغبة واضحة وإرادة صلبة في السير في الإصلاحات إلى النهاية نظرا إلى أنّها عنصر من عناصر تأمين الاستقرار ومواجهة العواصف التي تضرب المنطق.

في ورقته النقاشية الخامسة التي نشرها عبدالله الثاني الأحد الماضي الواقع فيه الثالث عشر من سبتمبر من السنة 2014، قال العاهل الأردني:

«اليوم، ورغم وقوع اجزاء من منطقتنا ضحية الصراع المذهبي والإرهاب والفكر المتطرّف، وما يعنيه ذاك من اختطاف لمستقبل جيل كامل، إني أؤمن بأنّ مسيرتنا الإصلاحية الأردنية المتدرجة والنابعة من الداخل والتي تضمن مشاركة جميع ابناء وطننا وبناته في بناء مستقبلهم، هي الخيار الأفضل والأكثر ثباتا واستدامة لحماية بلدنا الغالي من الفوضى التي حولنا».

أكثر من ذلك، أكّد عبدالله الثاني «أنّ التحديات ليست عذرا لتأجيل اجندتنا الإصلاحية، بل (هي عذر) لتحويلها إلى فرص، كما هي حالنا دائما في الأردن. لذا اشارككم ورقتي النقاشية الخامسة بعنوان تعميق التحول الديموقراطي: الأهداف والمنجزات والأعراف السياسية».

أوضح عبدالله الثاني أنّه يتناول في الورقة النقاشية الخامسة «القيم والممارسات الديموقراطية الأساسية على أمل أن تكون هاديا تتبناها جميع الأطراف في المعادلة السياسية وتطبقها لدى قيام الأطراف بأدوارهم وممارسة مسؤولياتهم الوطنية تجاه مواطنينا الذين يستحقّون دوما الأفضل من ممثليهم ومن الخدمات الحكومية التي تقدّم لهم».

اللافت أن الملك جاء يذكّر المواطنين بأن الإصلاحات لم توضع على الرف بمجرّد أن الأردن تجاوز احداث2010 و2011 و2012 عندما وجد من يريد التظاهر ونشر الفوضى خدمة لأجندة لا علاقة لها بمصلحة المواطن. لم تكتف السلطات الأردنية المختصة باتخاذ كلّ الإجراءات التي تضمن احتواء الشغب. ذهبت إلى ابعد من ذلك. حرصت على حياة كلّ مواطن نزل إلى الشارع. كان همّ رجال الأمن المحافظة على حياة المواطن، بمن في ذلك حياة الذين سعوا إلى استفزازها والاعتداء عليها.

في الوقت ذاته، كان هناك اعداد لقانون انتخابي جديد، على قياس المواطن الأردني وليس على قياس مجموعة معروفة، هي بكلّ صراحة الاخوان المسلمين. سعت هذه المجموعة وقتذاك إلى أن يكون القانون الانتخابي مجرّد مطية لها كي تفوز في الانتخابات مستغلّة موجة «الربيع العربي» الذي لم يكن سوى خريف باكر في معظم البلدان التي حلّ فيها.

بعد سنة كاملة وثلاثة اشهر على الورقة النقاشية الرابعة جاءت الورقة الخامسة التي تضمّنت تفاصيل كثيرة تصب في اتجاه تطوير المؤسسات، بما في ذلك الحكومة ومجلس النوّاب. لا مجال للخوض في هذه التفاصيل التي تناولت كلّ ما من شأنه قيام دولة حديثة في ظلّ ملكية دستورية، لكنّ الواضح أنّ ما يسعى إليه عبدالله الثاني هو تحصين الداخل الأردني من جهة والتأكيد من جهة أخرى أنّ لا بديل في نهاية المطاف من قيام نظام مستقرّ قوامه احزاب تمتلك برامج وحكومة تتولى كلّ المسؤوليات ومعارضة تحاسب، تماما كما في الدول الديموقراطية.

لا وجود لمجال لا تشمله الإصلاحات. لذلك تطرّق العاهل الأردني إلى الرسالة التي وجّهها في العام 2011 إلى مدير المخابرات العامة من أجل «المضيّ قدما في اصلاح هذه المؤسسة الوطنية الرائدة». كذلك اشار إلى «أنّ الحكومة تعكف حاليا على تفعيل دور وزارة الدفاع لتتولى مسؤولية جميع الشؤون الدفاعية غير القتالية ولتكون بالطبع جزءا من الحكومة وخاضعة لرقابة مجلس الأمّة».

لم يتجاهل الملك دور الملك بقوله إنّه «يقع على عاتق الملكية الهاشمية مسؤوليات توفير نهج قيادي جامع لكلّ المكونات يستشرف المستقبل بهدف تحقيق الازدهار لأجيال الوطن. ويقع على الملك، بصفته رأسا للدولة وقائدا أعلى للقوات المسلّحة مسؤولية الدفاع عن قضايانا المصيرية المرتبطة بالسياسة الخارجية وأمننا القومي وحماية تراثنا الديني ونسيجنا الاجتماعي وذلك من خلال مجلس الوزراء الذي يتولّى ادارة جميع شؤون الدولة استنادا إلى الدستور».

لم يترك عبدالله الثاني بابا مرتبطا بتطوير المؤسسات إلّا وتطرّق اليه، بما في ذلك «انجاز قوانين الحكم المحلي عبر انجاز قوانين الانتخابات البلدية واللامركزية».

من الواضح أن العاهل الأردني يضع الأسس لمرحلة جديدة في الأردن تتجاوز تطوير الحياة السياسية والحزبية ومؤسسات الدولة وتوزيع السلطات ودور كلّ سلطة. إنّه يعد الأردن ليكون جاهزاً للتعاطي مع المرحلة المصيرية التي تمرّ بها المنطقة. وهذا يعني في طبيعة الحال التكيّف مع أي تغيير يمكن أن يحصل كي لا يكون هناك ما يفاجئ الأردن ويجعله غير قادر على حماية نفسه بفعالية.

لم يحم الآردن نفسه في كلّ وقت إلّا بمزيد من الإصلاحات السياسية من جهة وبفضل المؤسسات القوية المتماسكة من جهة أخرى. الحياة الحزبية والبرلمانية في المملكة ليست بنت البارحة. لم تتعطّل هذه الحياة إلّا السنوات التي وجد فيها من يريد ضرب المؤسسات مستخدما العنف والسلاح والمزايدات التي قضت على انظمة عدة وستقضي على دول عدّة في المنطقة وفي المحيط المباشر للأردن.

ما حمى الأردن دائما تلك القدرة لدى الملك على النظر إلى بعيد. الملك الحسين كان استثنائيا. من يتذكّر أنّه اعاد الحياة البرلمانية إلى الأردن في العام 1989 وأن الانتخابات جرت في اليوم نفسه، أو بفارق أربع وعشرين ساعة، عن سقوط جدار برلين. كان بين الزعماء القلائل في المنطقة الذين ادركوا أنّ العالم تغيّر.

الملك عبدالله الثاني يمتلك الميزة نفسها. إنّه يدرك أن المنطقة في حال مخاض وأنّ تحصين الوضع الداخلي جزء لا يتجزّأ من الصمود الأردني. هل أفضل من الإصلاحات والمؤسسات القويّة والحديثة والفعّالة لتأمين هذا الصمود؟

*نقلا عن "الراي" الكويتية

www.alraimedia.com/Articles.aspx

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.