.
.
.
.

من يملك رواية حرب أكتوبر الكاملة؟

أحمد الدريني

نشر في: آخر تحديث:

لم أتوقع بالمرة أن تكون مذكرات وزير الخارجية الأسبق أحمد أبوالغيط شيقة إلى الحد كانت عليه، فالمرحلة التي عايشناها مع أبوالغيط كآخر وزير خارجية في عهد مبارك، لم تكن مبشرة بحال من الأحوال بحاضر الرجل ولا بماضيه.

غير أن كتابه «شاهد على الحرب والسلام» من أهم السرديات الرسمية الصادرة عن الدولة المصرية فيما يخص حرب أكتوبر وكواليسها ودهاليزها.

فقد خصص الرجل كتابا كاملا لتوثيق تجربة عمله في هيئة الأمن القومي، منتدبا من الخارجية، أثناء الحرب مع الراحل حافظ اسماعيل مستشار الأمن القومي آنذاك.

الكتاب رغم سرده العلمي للأحداث وجفاف لغته وميله لأن يكون علميا قدر المستطاع، كشف عن الإهمال الرهيب من جانب الدولة المصرية في توثيق روايتها الذاتية عن حرب أكتوبر.

فالزاوية التي اختار أبوالغيط ان يكشف منها كواليس إدارة القرار المصري بشقيه العسكري والدبلوماسي واحدة من أخطر الزوايا المسكوت عنها والمهملة بتقادم السنين، والتي أضحت على وشك أن تصبح حدثا بلا رواة بعد أن وارى الثرى معظم أبطالها.

ويذكر أبوالغيط نفسه أنه طالما حث آخرين على تدوين مشاهداتهم ومذكراتهم مع هذه الأحداث المحورية من عمر الوطن، غير أن الموت أخذ يغيب فيهم واحدا تلو الآخر.

ولسبب ما تعاقبت الإدارات السياسية والأنظمة الحاكمة التي لم تع أهمية أن ندون تاريخنا وأن نوثق روايتنا وشهادتنا.

فالجمل البلاغية المرسلة على عواهنها عن «النصر العظيم» و«العبور المبهر» لم تعد عناوين كافية لإشباع الرغبات المعرفية لجيل يطالع تاريخ بلاده القريب من وثائق المخابرات المركزية المفرج عنها أو المسربة!

ولم يعد من المحتمل الارتكان لرواية منقوصة متناقضة مشتتة، في مواجهة رواية إسرائيلية يزداد حبكها يوما عن يوم، ويتكاثر أنصارها في صفوفنا قبل صفوفهم.

وتنتهي إلى أن حرب أكتوبر كانت مغامرة غير محسوبة من المصريين انتهت بالتطويق والإحباط والتفوق العسكري الإسرائيلي الكاسح المعهود!

(2)

أبوالغيط نفسه وقد كان وسط المعمعة، يتابع تقديرات الحرب والتقارير العسكرية والاستخباراتية الواردة إلى مؤسسة الأمن القومي في هذا الحين، فوجيء حين أوكل إليه إعادة فهرسة وأرشفة وثائق مؤسسة الأمن القومي في أعقاب حرب أكتوبر لما قرأ التقارير كاملة ومحاضر لقاءات الرئيس السادات بالدبلوماسيين الأجانب وتفريغات اتصالاته مع رؤساء الدول.

وبدا أن لحظات عصيبة عايشها كانت مبهمة بالنسبة له، ثم اتضحت جلية حين طالع أجزاء أخرى من المشهد المنثور.

ومقارنة رواية أكتوبر من الناحية الدبلوماسية والاستخباراتية التي ركز عليها أبوالغيط، بالرواية العسكرية التي وثقها كل من الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس أركان الجيش حينئذ والمشير الجمسي رئيس هيئة العمليات في ذلك الوقت، تكشف أزمة جوهرية لدى الدولة المصرية عموما.

ففضلا عن الكتابات الصحفية والبحثية التي تطوع بها كتاب مقربون من الرئيس السادات كهيكل وموسى صبري، أو في مثل حالة أحمد بهاء الدين، سنجد أنه لا يوجد عقل مركزي جمعي للدولة.

فكل طرف لديه جزء من المشهد الكلي ولم يطلع على بقية العناصر المحركة لآليات اتخاذ القرار المصري حربا ومهادنة ثم «سلما» أيا كان موقفنا من المسميات والحقائق على الأرض.

ففي الوقت الذي تم اختصار أزمة الحرب فيه لخلاف حاد في الرأي بين الرئيس السادات ووزير الدفاع المشير أحمد اسماعيل من ناحية، والفريق سعد الدين الشاذلي رئيس الأركان من ناحية أخرى، سنجد أن لاعبين آخرين كانوا في المشهد لكن تغوفل عنهم في ظل عدم التوثيق والحكي «المنهجي».

والمثال الأبرز الذي يخرج به قاريء مذكرات أبوالغيط هو الفريق حافظ اسماعيل مستشار الأمن القومي، الرجل ذو الخلفية العسكرية القحة، الذي تولى مهمة استخباراتية دبلوماسية، مزج خلالها خبراته وساهم في إدارة الدبلوماسي بمعرفته بما هو عسكري وما هو استخباراتي.

ولم يحظ دور هذا الرجل، وإدلاؤه بدلوه في ذلك الحين، بالتوثيق الكافي، سيما في وسطية وأناة مواقفه التي كانت قادرة على تمييز المسارات المتوازية التي كان السادات يتحرك فيها بصورة مربكة وقادرة على إرسال إشارات متناقضة حول رغباته ومخططاته!

ثم لم يتطرق أحد للخلاف الذي نشأ بين هيئة الأمن القومي وبين الخارجية المصرية بسبب تنازع الأدوار بين المؤسستين.

لقد دبت خلافات إنسانية عادية في هذه اللحظات النبيلة من عمر الوطن، تزيد الملحمة الوطنية المصرية مصداقية ولا تخصم من رصيدها شيئا، إذ أننا في نهاية المطاف حاربنا بكل أدواتنا وباختلاف تقديراتنا لمصلحة الوطن العليا.

غير أن هذا الجدل واجب التوثيق لتحليل تاريخنا وللاستفادة منه ولاستعراض ذهنيات مؤسسة الدولة الحاكمة واستكشاف أوجه القصور والتكامل، وربما لبحث إعادة صياغة جديدة لعلاقة مؤسسات وأجنحة الدولة ببعضها البعض. ليس عيبا والله!

(3)

كقاريء شغوف لكل ما يمس حرب أكتوبر، بدت الرواية المصرية على شتاتها ونثرها بين متون المذكرات وهوامش الشهادات، بحاجة إلى الكثير من التنسيق والبحث والإخراج العلمي الرشيق.

وإلا فإن نصرا عظيما، حتى لو تكاثر منكروه عن علم وعن جهل، سيضيع وسط مهاترات شتى، ما أغنانا عنها!

ومن هنا تتأكد الحاجة على استصدار قوانين سريعة حول الإفراج عن الوثائق القومية وطرحها للبحث والقراءة والاطلاع والاستفادة، بدلا من أن تمكث حبيسة الأدراج لا تغني عنا في مواجهة الأمر الواقع شيئا.
نقلاً عن المصري اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.