من نجد إلى أفغانستاني إلى شيشاني
يتداول قروبات الوتس اب خطاباً للرئيس الليبي الراحل معمر القذافي. خطاباً نموذجياً لما كنا نسمعه في السبعينات والثمانينات. يتحدث القذافي عن الوحدة العربية, عن هؤلاء الذين قسموا العرب وفككوهم وجعلوهم دويلات لإحكام السيطرة عليهم. يقول القذافي في خطابه: اخترعوا شيئاً اسمه ليبيا واخترعوا شيئاً اسمه سوريا وشيئاً اسمه تونس, لكي يفرقوا بيننا لكي يجعلونا نفكر بطرق مختلفة إلخ.. خطاب حماسي يبث العزة والكرامة والأمجاد. لا ينقص شباب اليوم سوى الاصغاء له ومن ثم العودة إلى خطابات المنبع إلى خطابات جمال عبدالناصر وصدام حسين وحافظ الأسد لنربط الحاضر بالماضي. فما أشبه الليلة بالبارحة؟
فبعض الدعاة تحولوا إلى ورثة لخطابات زعماء. ورثوا عنهم بضاعة الوحدة. لكنهم أكثر جرأة وشجاعة من أولئك الزعماء الذين ورثوا عنهم تلك الخطابات. فلم تعد الوحدة المطلوبة من نجد إلى تطوان. العبارة التي رددناها في المدارس. في نشيدها الفاخر الذي لم أعد أتذكره رددناه آلاف المرات قبل أن أعرف أين تقع تطوان. اكتشفت بعد سنين طويلة أن تطوان هذه تقع في مكان ما في المغرب. ركبها الشاعر لكي تتناغم مع إيقاع القصيدة. لم يعد أحد يتذكر تطوان اليوم. أصبح الطموح أبعد وأوسع. النشيد الجديد يجب أن يقول. من نجد إلى يمن إلى أفغانستاني وباكستاني وصومالي ثم عودة إلى تطواني وشيشاني. استكبرنا على القذافي وحدة ثلاثمائة مليون لنجد أنفسنا بعد ثلاثين سنة في طلب وحدة مليار ونصف بني آدم لا يجمعهم سوى الفقر والجوع والتخلف والصراعات الداخلية.
لا أعرف حتى الآن ما الذي يجعل البعض مهووساً بوحدة الأمة. ما الذي يمكن أن يحدث لو دمجنا أفغانستان مع الصومال. هل ستكون النتيجة كندا أو بريطانيا. باكستان دولة وحدة. ما الذي جناه الباكستانيون من الوحدة. تضم في داخلها مجموعة من الأعراق والمذاهب والجغرافيات. إيران دولة وحدة. اليمن دولة وحدة. في كل هذه الدول ودول أخرى تضم أكثر من اثنية أو عرق هدف الجميع الأسمى في هذه الوحدات هو الانفصال. هل نوحد الخلق لكي يتقاتلوا من أجل الانفصال؟!.
معظم الدول الإسلامية مثقلة بوحدتها القائمة. ابسط هزة في النظام تظهر حقيقة رغبة الشعوب الإسلامية في هذه الوحدة المزعومة. هل فيه أكثر قرباً وتلاحماً من الدول العربية المسلمة. خذ العراق: الكرد يريدون الخلاص من العرب والعرب انقسموا إلى شيعي وسني والسنة انقسموا إلى ليبراليين وإسلامي والإسلاميون انقسموا إلى داعش والنصرة وهكذا تتناسل الانقسامات إلى ما لا نهاية. ما الذي يعنيه أن نبشر الناس بشيء يتمنى الناس الخلاص منه. كل مجموعة عرقية أو دينية أو مذهبية تتمنى الانفصال عن المجموعات الأخرى. ألا يكفي العراق وسوريا واليمن والصومال. عشرون سنة من الصراع في اليمن. كان اليمنيون يبحثون عن فك وحدة الشمال والجنوب. اليوم أصبحوا يبحثون عن تفكيك وحدات الشمال نفسه.
خداع لخطباء ولدعاة ولزعماء أفاقين مازال ينطلي علينا بنفس الوعود ونفس الأماني ونفس الحماسة. كأنما تاريخنا يكتب على الرمل. كل الأجيال الذين يقعون تحت طائلة أكاذيب الوحدة الإسلامية عاصروا جزءاً كبيراً من عصر القذافي ووعوه وأدركوه وأيدوا الغرب الكافر لإسقاط هذا الزعيم الأفاق. المأساة أن هؤلاء الذين طبلوا للغرب وهللوا لقصف القذافي لاقتلاع أكاذيبه هم (لا غيرهم) الذين يطبلون لقيادات الدجل المعاصرة!.
نقلاً عن الرياض