تغوُّل البنوك "الملتحية"

هاني الظاهري
هاني الظاهري
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
دقيقتان للقراءة

طوال الأسبوعين الماضيين لم يهدأ صراع الفتاوى والآراء المتشنجة حول حكم الاكتتاب في أسهم البنك الأهلي. صراع مثير بدأ بعد أن أطلق بعض «المطاوعة» غير المصرح لهم بالإفتاء، وفي مقدمهم أولئك الذين اشتهروا بتفرغهم لتحليل وتحريم أسهم الشركات، فتاوى تتوعد المواطنين الراغبين في الاستثمار بالويل والثبور، ثم تطور الأمر ودخلت القضية في دوامة كبيرة من الجدل البيزنطي بين السعوديين شارك فيها العالم والجاهل والكبير والصغير، وامتدت إلى أعمدة الصحافة وشبكات التواصل الاجتماعي، لكن الغريب أن أحداً لم يسأل عن سبب عدم محاسبة من أطلقوا الفتاوى في بداية الأمر، كاسرين بذلك النظام الذي يمنع ممارسة الإفتاء من غير المصرح لهم. هذه مسألة في غاية الأهمية، فالجرأة على كسر الأنظمة وممارسة الوصاية علانية على الدين من خلال ادعاء امتلاك الحقيقة وتوزيع صكوك الحرام والحلال ممارسة كهنوتية خطيرة اجتماعياً وأمنياً، ويُفترض ألاّ تمر مرور الكرام إن كنّا نعي حقاً أن التساهل مع عملية اختطاف الدين لمصلحة فئة معينة هو مقدمة لفوضى أكبر لا أحد يتمناها لمجتمعه ووطنه.

من جانب آخر، سجل موقف البنوك السعودية التي رفضت السماح لعملائها بالاكتتاب في أسهم البنك الأهلي عن طريقها سابقة تاريخية هي الأولى من نوعها، سابقة تمثل بكل وضوح أشرس أنواع التغوّل في وجه النظام وخيارات الناس، وهذا مؤشر خطير على استهتار هذه البنوك بالسلطة والأنظمة، فأسهم البنك الأهلي المطروحة للاكتتاب مملوكة أساساً لصندوق الاستثمارات العامة وهو صندوق حكومي تشرف عليه وزارة المالية، مايعطي مؤشراً بأن البنوك المعارضة بحجة التحريم وكأنها تتهم الدولة بممارسة «الحرام»، بينما تجني هذه البنوك المتغولة البلايين فعلياً من المواطنين بتعاملات تمررها بشعارات «دينية»؛ لتجعل من العميل منهوباً مديوناً «بالطريقة الإسلامية» بحسب زعمها، ومع ذلك تحظى بالحماية والدعم في ظل قوانين وأنظمة مؤسسة النقد السعودي. إنها مفارقة غريبة عجيبة ومثيرة للأسئلة، لكن يبدو أن هناك من لا يريد طرح هذه الأسئلة لسبب أو آخر، ولعل من الطريف هنا الإشارة إلى الوصف الساخر المتداول اجتماعياً لهذه البنوك، فالسعوديون يسمونها في مجالسهم «البنوك الملتحية»، وهي للأمانة شبيهة بشخصية تاجر الدين الذي يجني الأموال بلحيته ومظهره بكل توح ش مستغلاً الشعارات الدينية وسذاجة البسطاء.

بالمجمل أمامنا الآن حدث مهم وجدل محيط به وممارسات غير مسبوقة من مؤسسات مالية تقتات على خيرات البلاد، وكل ما سبق بحاجة إلى التشريح الدقيق واتخاذ خطوات وقرارات صارمة تعيد الأمور إلى نصابها، والخطر كل الخطر في استمرار هذا الصمت أمام اختراق الأنظمة والمزايدة على دين الدولة. «اللهم بلغت، اللهم فاشهد».

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.