.
.
.
.

مصير الإسلام السياسي

عدنان حسين

نشر في: آخر تحديث:

مهما رفعت من شعارات الديمقراطية وانخرطت في استثمار وسائل الديمقراطية لبلوغ السلطة، فان الأحزاب والحركات والجماعات والميليشيات الاسلامية كلها تريد إقامة دولة الشريعة أو الخلافة أو ولاية الفقيه. وتستوي في هذا السنية والشيعية، فهي تروّج لفكرة ان "الاسلام هو الحل". والاسلام في مفهومها هو الحكم استناداً الى القرآن والسنّة النبوية، يضاف اليهما سنّة الأئمة الاثني عشر بالنسبة للأحزاب الشيعية. وحتى الآن لم تجر المواءمة بين الديمقراطية والاسلام (السياسي) على غرار المواءمة بين الديمقراطية والمسيحية أو البوذية أو الهندوسية مثلاً.
وبينما يبدو شعار الاسلام أو الدولة الاسلامية موحداً لهذه الجماعات، فأنها تختلف في التفاصيل، وفي التفاصيل يكمن الشيطان، وشيطان الأحزاب والجماعات الاسلامية يتجسد خصوصاً في حروب طائفية، كهذه الممتدة رقعتها من باكستان حتى الساحل الشرقي للبحر الابيض المتوسط مروراً باليمن جنوباً والعراق وسوريا شمالاً.
لكن ليس هذا وحده ما يعرقل قيام أي حكم إسلامي ناجح في أي دولة اسلامية.. الانشداد الى الماضي البعيد والتداول بلغة وأفكار تأنف منها روح العصر عامل كبح آخر. وعامل مهم ثالث ان مساعي الاسلام السياسي لإقامة دولته قد فشلت فشلاً ذريعاً وهي لم تزل في بدايتها، والسبب ان قيادات أحزاب وجماعات الإسلام السياسي كانت تتصرف وهي تضع أقدامها على عتبات هذه الدولة ليس كما يتصرف رجال الدولة وانما كما كان غزاة القرون الوسطى وما قبلها يتصرفون، فكل شيء، بالنسبة لهم، غنيمة.
في مصر سقطت دولة الاخوان المسلمين (السنية) سقوطاً مدوياً بعد سنة واحدة فقط من قيامها، لأن الاخوان استفزوا الشعب المصري فتحوّل من تأييدهم الى تأييد معارضيهم لأنهم تعاملوا مع السلطة بوصفها غنيمة تخصّهم وحدهم.
وبالطبع فان ما يقوم به "داعش" وقبله "القاعدة" وسائر الجماعات الجهادية والميليشيات من جرائم منكرة باسم الاسلام، يأكل كثيراً من رصيد الاسلام السياسي وحركاته كلها.
وهنا في العراق تواجه الأحزاب والجماعات والميليشيات الشيعية التي لها الغلبة في العملية السياسية الجارية منذ 2003، مصاعب جمّة تهدد بخسارتها مواقعها في السلطة على المدى البعيد، لأنها أيضاً تتعامل مع السلطة المنتظرة منذ أكثر من ألف سنة بوصفها غنيمة وأسلاباً يتقاسمها في ما بينهم أمراء الحرب من قادة هذه الاحزاب والجماعات والميليشيات.
قياديان في كتلتي المواطن والأحرار الشيعيتين كشفا منذ يومين عن تفاصيل أوفى تتعلق بـ"لجنة التوازن" التي شكلها مجلس الوزراء الجديد، وتختص بإعادة توزيع مناصب وكلاء الوزارات والمدراء العامين وسواها من مناصب الدرجات الخاصة (المدى، أول من أمس).اللجنة تتكون من زعماء الكتل السياسية ونواب رئيس الوزراء والأمين العام لمجلس الوزراء فقط لا غير.. وكما شهدنا صراعاً ضارياً على المناصب الوزارية بين الكتل الحاكمة، الرئيسة والفرعية، ستتحول قاعة اجتماعات هذه اللجنة الى حرب ضروس على هذه المناصب، ليتراضى "الزعماء" في ما بينهم في الأخير بتقاسم الغنيمة على وفق مبادئ المحاصصة الطائفية والقومية، ويجري توزيع المناصب داخل الكتل وفقاً للاعتبارات الحزبية والعشائرية والشخصية، مما لا يُبقي للكفاءات الوطنية غير الحزبية وغير المتملقة للقيادات الحزبية أي منصب.
بكلمة مختصرة ان أحزاب وجماعات الاسلام السياسي الحاكمة تعيد الآن إنتاج تجربة حزب البعث باحتكار السلطة، وهذا لن يؤدي بها في نهاية المطاف الا الى الفناء كما حصل مع البعث وسواه من الأحزاب الشمولية.
نعم هذا هو مصير الاسلام السياسي على المدى البعيد، وإن كان "كلّ حزب بما لديهم فرحون" في هذه اللحظة التاريخية.


*نقلاً عن "المدى" العراقية
http://www.almadapaper.net/ar/news/473572/%D9%85%D8%B5%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.