السعودية..

علي نون
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

على حدّ علم كل من على هذه المعمورة، وحتى من سبق ومرّ فيها ثم عبر عائداً إلى ربّه، فإن المملكة العربية السعودية لم تمارس، في يوم من الأيام، سياستها الخارجية استناداً إلى النصّ الديني. ولم تخلط بين الأمرين. ولم تسعَ في أرض غيرها لتسويق طموحاتها أو غاياتها من خلال وضع بيان الفرقة في موضع الجمع، أو دعوة الناس إلى ترك ما فيهم واللحاق بمعتقداتها.. ولم تتخطَّ الأطر الكيانية الدستورية القائمة في أي بلد، قريب أو بعيد، لتزرع بدائل عنها تابعة لها مباشرة. ولم تبثّ في أرض الغير وأقوامهم دعايتها المعنونة بـ«الأمة» والمبطّنة بالانتماء الخاص. ولم تساهم أو تساعد أو تحرِّك وتائر زعزعة كيانات عربية وإسلامية وغير عربية وإسلامية من أجل ادعاء صيرورتها قوة عظمى.. ولم تنشئ ميليشيات مسلحة ولا جيوشاً رديفة للجيوش الوطنية. ولم تدّع يوماً أنها مصدر الإلهام الثوري «الصحوي» الذي سيغيّر طبائع الأرض ويزيل الطغيان. ولم تفتك أو تدعم الفتك الضاري بشعوب كاملة، فقط لأن فيها مقوّمات اختلاف أو نزعة تحرّر من الجور، أو تطلع إلى شيء من العدل.

ما يعرفه اللبنانيون مثلاً هو أن السعودية لم تعوّف وسيلة أو طريقة إلاّ وأخذت بها من أجل الوصول إلى «إتفاق الطائف»، وإنهاء الكارثة اللبنانية بكل أبعادها. وأن ذلك الاتفاق لم يتضمن بنداً ينصّ على تدريس أصول الفقه الديني وفروعه! ولم يتضمن اشتراطات مستندة إلى تفسيرات وشروحات زيد أو عمرو.. بل أخذت الناس كما هم ولم تطلب منهم سوى الكفّ عن قتل بعضهم بعضاً.

والذي لا ينكره إلاّ صاحب غرض وفيه مرض، هو أن السعودية عانت مثل غيرها وأكثر، من المغالاة التي ولّدت ظواهر الإرهاب والتكفير. وأنها في الإجمال تقارب هذه المعضلة من وجوه متعددة، أساسها الإقرار، وليس الإنكار، بوجود مشكلة، ومشكلة كبيرة لا بد من التصدي لها ومواجهتها، وهذا ما تفعله بالتمام والكمال.

.. والذي لا ينكره إلاّ كيدي وأرعن هو أن السعودية في الإجمال لا تنكر البعد الارتباطي الديني في سياساتها الخارجية، لكن لا تجعل منه الأساس والأصل. ولا (ولم) تدعم طغياناً لأن صاحبه قريب لها في العقيدة الدينية أو جزء منها أو من مدارسها، ولم تفعل العكس انطلاقاً من ذلك الاعتبار. بل إن كل من على هذه المعمورة، وحتى من مرّ فيها وعبر، يعرف يقيناً أن المملكة سيدّة في افتراض الخير في الآخرين قبل الشر، وفي مقاربة نقاط الافتراق والخلاف انطلاقاً من تغليب احتمالات التوافق والإطفاء بدلاً من التسعير والإشعال.

.. والذي لا ينكره إلاّ صاحب غرض وفيه مرض، هو أن السعودية فعلت وتفعل المستحيل لنفي الفتنة الإسلامية وعدم اعتبار الافتراق السياسي افتراقاً دينياً مذهبياً، فيما غيرها فعل ويفعل المستحيل لجعل الفتنة وسيلة لتحقيق أهدافه وغاياته السياسية والقومية.. وأي وسيلة وأي غايات!

*نقلاً عن "المستقبل" اللبنانية
https://www.almustaqbal.com/v4/Article.aspx?Type=NP&ArticleID=637533

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط