.
.
.
.

تجريم الأفراد ممن يدعون إلى الجهاد

محمد بن عبداللطيف آل الشيخ

نشر في: آخر تحديث:

الزميل الأستاذ «فهد الدغيثر» الكاتب المعروف في جريدة (الحياة)، كتب مقالاً يطالب فيه بتقييد الدعوة إلى الجهاد وقصره فقط على الحكومة - (ولي الأمر أو من يفوضه) - لأنه (إعلان حرب) والأفراد لا يعلنون الحروب؛ وتجريم من يدعو إليه أو يحرض عليه من الأفراد غير ذوي الصلاحية.

شرعاً، الجهاد هو ذروة سنام الإسلام. لكن الجهاد الشرعي المقصود هنا له شروط وضوابط تحدث عنها الفقهاء بالتفصيل. المتأسلمون المسيسون استغلوا هذه الشعيرة ولووا أعناق أدلتها وأعادوا تفسيرها وحذف بعض شروطها التي لا تواكب نواياهم وأهدافهم التثويرية، ثم جعلوا منها مطية يمتطيها منظرو التأسلم السياسي والمحرضون على العنف في التغيير، ومن خلالها يجري تجنيد الأتباع، والتغرير بهم، وإيهامهم أن ما يُقدمون عليه هو من فرائض الشريعة الغائبة أو المعطلة، فيثاب فاعلها في الدنيا بالنصر المبين، وإن مات في سبيل العمل على إحياء هذه الفريضة فمآله الجنة والتمتع بنعيمها.

من هنا تم شرعنة الإرهاب وإلحاقه بدين الإسلام باعتباره إحياءً لفريضة (الجهاد).

والسؤال الذي يتحاشى المتأسلمون الإجابة عليه هو : من يملك الحق بالدعوة للجهاد ومن هو المعني بقوله صلى الله عليه وسلم: (وإذا استنفرتم فانفروا)؟.. بمعنى آخر: من الذي يستَنفِر؟

هذا ما يحاول دعاة الإرهاب أو كما يسميه المتأسلمون زوراً و بهتاناً (الجهاد)، تجاوزه وتفاديه.

الجهاد الشرعي لا ينعقد ولا يكون جهاداً شرعياً إلا تحت راية ولي الأمر أو بإذنه. يقول الشيخ صالح الفوزان العالم السلفي المعروف : (لا جهاد إلا بإذن ولي الأمر لأنّ هذا من صلاحيته، والجهاد بدون إذنه افتيات عليه؛ فلا بد من رأيه وإذنه). ثم سُئل : (هل من جاهد بدون إذن ولي الأمر ثم قُتل فهل يكون شهيداً أم لا؟).. فأجاب: (يكون غير مأذون له في هذا القتال فلا يكون قتاله شرعياً ولا يظهر لى أنه يكون شهيداً) .. (المصدر : فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة).

ولم يعرف في التاريخ الإسلامي أنّ الحركات المنشقة أو المسيسة امتطت شعيرة الجهاد، لأنّ الجهاد بمعناه القتالي لا يكون إلا ضد غير المسلمين حصراً، حتى خوارج صدر الإسلام عندما انشقوا كحركات تمرد سياسية، لم يجرؤوا على أن يصفوا تمردهم بأنه ضرب من ضروب الجهاد، وحين ظهرت الحركات المتأسلمة المعاصرة استغلت هذه الشعيرة لتسبغ على خروجها المسلح وتمردها على السلطات السياسية القائمة صفة الجهاد.

لذلك فإنني أرى أنّ محاربة الإرهاب كجريمة نكراء تبدأ من تخليص هذه الشعيرة أولاً من وصفها بالجهاد، واعتبار أنّ كل من جعل الإرهاب جهاداً فهو مفتئت على الدين يجب أن يُعاقب كما يعاقب اللصوص وقطّاع الطرق وتجار المخدرات.

بعض المراوغين من مشايخ الحركيين يقولون تهرباً من اشتراط استئذان ولي الأمر صاحب البيعة : (اشتراط إذن ولي الأمر مسألة خلافية خاصة في ما يتعلق بجهاد الدفع - (جهاد المقاومة) - فهناك من الفقهاء لا يعتبرها شرطاً) . أقول : حتى وإن كان الأمر كذلك، فطالما أنّ (اختيار الحاكم يرفع الخلاف في المسائل الاجتهادية) - كما تقول القاعدة الفقهية المعتبرة - فإنّ من صلاحيات ولي الأمر أن يختار من بين الاجتهادات واختياره يرفع الخلاف، ويكون ما يختاره ملزماً للجميع، فبإمكانه أن يمنع الأفراد من الدعوة إلى الجهاد وقصرها على أصحاب الاختصاص الرسميين ، وعقاب من يتمرد على هذا التقييد الشرعي بالعقاب الرادع .. وليس لدي أدنى شك أنّ هذه القضية الشرعية لو اُستُشيرت فيها (هيئة كبار العلماء) فسوف يقرّونها لأنها من المسائل التي تكبح جماح الإرهاب، وتمنع الحركيين المتأسلمين من الإساءة للإسلام باستغلال شعائره وصرفها إلى غير مقاصدها.

إلى اللقاء..

*نقلا عن "الجزيرة" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.