.
.
.
.

سرد لتاريخ التآمر على الأمة

عبدالله بن بخيت

نشر في: آخر تحديث:

تاريخ المؤامرة على أمتنا لا ينتهي. تمتد خيوطه حسب أحدث نظرية إلى عصر حمورابي في عراق ما بين النهرين. بالكاد نخرج من مؤامرة إلا وندخل في مؤامرة أشد وأنكى. ما أن يخرج متآمر إلا ويحل محله متآمر أذكى وأعبقر (من عبقري). لا أريد أسحب سلسلة المؤامرة من فجر التاريخ لأسباب تتعلق بمساحة هذه الزاوية. سأكتفي بتاريخ المتآمرين الحديث. أول جهة حاكت مؤامرة على الأمة هي الاستعمار وأذنابه. كل شيء يلم بنا نكتشف بعد تحليل بسيط أن الاستعمار وأذنابه يقفون وراءه. فرنسا تتآمر في المغرب العربي وبريطانيا تتآمر في المشرق العربي. بفضل من جهود دعاتنا العروبيين الأفاضل استطعنا دحر الاستعمار البريطاني الفرنسي. في الوقت الذي كانت الأمة فيه تحتفل وتغني وتكبر باندحار الاستعمار البغيض فوجئنا بأن أطل عدو جديد اسمه الإمبريالية العالمية. غيرنا عناوين الأغاني والأناشيد ولافتات المؤتمرات والخطب. من حسن الحظ أن أسماء الأمريكان مشابهه لأسماء البريطانيين مما وفر علينا جهوداً كبيرة في الحفظ والتبويب والترجمة. أزلنا كلمة الاستعمار البغيض ووضعنا مكانها الإمبريالية العالمية. مضى بنا الزمن ودعاتنا العروبيون يحذروننا ويدعون إلى الوحدة ولم الشمل فالعدو يعمل على قاعدة فرق تسد.

لم تستمر الإمبريالية العالمية في حياكة المؤامرات وحدها زاحمتها بعد فترة قصيرة الشيوعية العالمية. وقعنا بين نارين أبردهما أحر من جهنم. فإذا كانت الإمبريالية تهدف إلى مص دمائنا وسلب ثرواتنا وأكل أموالنا بالباطل والتفريق بيننا فالشيوعية تريد أن تخرب عقيدتنا وتفسد شبابنا. إذا كانت الإمبريالية تبث الفجور والفساد فالشيوعية تبث الإلحاد فانقسم دعاتنا العروبيون الأفاضل بين محارب للمؤامرات الإمبريالية ومحارب للمؤامرات الشيوعية وانقسمت الشعوب العربية والمسلمة بين مؤيد لهؤلاء الدعاة أو الدعاة الآخرين. وللحق كان هناك عدد لا بأس به من دعاتنا العروبيين الأفاضل من دعا إلى توحيد الصف ونبذ الفرقة. استمرت المنافسة علينا بين الشيوعية العالمية والإمبريالية العالمية حتى جاء الرئيس المصري الأسبق أنور السادات وأعلن دولة العلم والإيمان. فتراجعت المؤامرة بشقيها الشيوعي والإمبريالي وبالكاد تنفسنا الصعداء إلا وبدأنا نسمع أن مشروع التآمر استلمه مقاول غير حكومي وتوسعت المؤامرة من محيطنا العربي إلى محيطنا الإسلامي. فانتقلت راية الدعوة من الدعاة العروبيين إلى الدعاة الدينيين. ورث فريق الشيخ القرضاوي ميراث فريق الإعلامي أحمد سعيد وتحولت الدعوة من مقاومة المؤامرة على العروبة إلى مقاومة المؤامرة على الإسلام. ترامت المسألة. صارت بأكثر من لغة وميدانها القارات كلها. فجأة ومن خلف الصفوف ظهر نوع جديد من المؤامرات غير معهود فاكتشف دعاتنا الأفاضل أن مصدره جهاز اسمه الصهيونية العالمية. لم تكن الصهيونية العالمية غائبة عن دعاتنا العروبيين الأفاضل ولكنها كانت محصورة (في نظرهم) في شؤون فلسطين الحبيبة السليبة. بيد أن فريق القرضاوي أدرك شيئاً أبعد وأخطر. اكتشف أن اختفاء الشيوعية وتراجع الإمبريالية أو تغيير اسمها لم يكن سوى عمل تكتيكي لفسح المجال أمام الصهيونية العالمية. من الواضح أن الصهيونية اكتسبت صلاحيات جديدة تسمح لها بالتآمر علينا في حقول أخرى خارج فلسطين. لم تنطل الألاعيب التآمرية على فريق القرضاوي والزنداني (مكتشف علاج الإيدز) فتصدوا لها بحزم المياكرفونات والمنابر المملوءة بمنتجات الحناجر الذهبية فاضطرت قوى التآمر العالمية إلى الزج بفريق آخر أشد قوة وضراوة عرف لاحقاً باسم الماسونية. كان رد أمتنا فورياً حيث رفعت عدد الدعاة الناشطين من بضع مئات إلى آلاف فحارت قوى التآمر فظننا أنها في طريقها للاعتراف بالهزيمة ولكن قبل أن نلتقط أنفاسنا وبشكل غير متوقع دفعوا بفريق جديد للتآمر أسموه الصفوية.

من يلوم أمه تتعرض لكل هذه الهجمات إذا سادتها الفوضى ودب فيها التخلف فلا صوت يعلو على صوت المعركة.

*نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.