مصر وتونس: لا تطابق

حلمي النمنم
حلمي النمنم
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

قد تتقارب بعض التجارب السياسية وقد تتشابه، لكن ليس بالضرورة أن تتطابق، والغريب أن بعض الذين يضعون أنفسهم فى خانة الليبرالية أو يطمحون إلى أن نصنفهم على هذا النحو، هم من يريدون للتجارب أن تتطابق دون أن ينتبهوا إلى أن «التطابق» أو حذو التجارب لبعضها «حذو النعل بالنعل» هو ضد الليبرالية والحرية التى تقوم على التنوع والتباين.
أقول هذا بمناسبة الذين أبهرتهم التجربة التونسية، وراحوا يتحدثون عن «نجاح تونس» فى مقابل «فشل مصر»، والمقصود هنا، فى المقام الأول، إزاحة الإسلاميين من الحكم فى تونس بالصناديق، بينما فى مصر أزيحوا بثورة عارمة، كان للجيش حضوره المهم والمؤثر فيها ولابد القول إن فى عالمنا العربى من باتوا يمتلكون حساسية مضادة لظهور أى شخصية ذات أصول عسكرية فى المجال العام، ربما من تأثير تجربة 1967 وربما بتأثير الثقافة الأمريكية، رغم أنه فى الولايات المتحدة هناك حالة من السيولة بين العسكرى والمدنى، ولا توجد تلك الحساسية، ولابد من القول كذلك إن التجربة فى مصر وفى تونس بها قدر من التشابه منذ القرن التاسع عشر.
وفى مطلع 2011، مع ما بات يعرف باسم ثورات الربيع العربى، هناك حالة من التشابه بين مصر وتونس، فى أن تمرداً حدث ضد الرئيس وتحول التمرد إلى ثورة، انتهت بأن هرب الرئيس زين العابدين من تونس وترك البلاد لتديرها المجموعة التى كانت محيطة به، أما فى مصر فإن مبارك لم يهرب، بل «تخلى» عن السلطة وسلم إدارة البلاد للمجلس العسكرى، وارتضى الشعب ذلك، وصفق الجميع لهذا القرار، وفى مقدمتهم «الثوار» أو «شباب الثورة». نحن لسنا فى مجال المفاضلة بين ظروف مصر وظروف تونس، ولسنا فى مجال منح النياشين والأوسمة لطرف، ومنح علامة الخطأ لطرف آخر، تجارب الشعوب والدول لا تُقيم بمعايير المدارس الابتدائية الكلاسيكية، على طريقة برنامج «أوائل الطلبة»، ليس مطلوباً أن تتشابه، ولا أن تتماثل التجارب، ولا يعنى ذلك أن نهون من الفروق وجوانب التمايز.
وأحد جوانب التمايز هو أن التجربة المصرية منذ ثورة يناير، يشوبها الكثير من المزايدة، مرة باسم الدين، وعلى الدين ذاته، ومرة باسم الثورة والثورية.. لذا وجدنا فى تونس حزب النهضة (الإسلامى) هو الذى يرفض أن يضع فى الدستور التونسى مادة تتعلق بالشريعة الإسلامية، احتراماً لمكونات المجتمع التونسى، بينما فى مصر تجد من يصنفون فى خانة «العلمانيين» أو المدنيين هم الذين يصرون على وضع مادة الشريعة فى الدستور، هم فعلوا ذلك خوفاً من أن يزايد عليهم خصومهم الإسلاميون ويتهموهم بالعداء للدين ذاته، وهكذا الحال فى كثير من الأمور، فى تونس يسمى الإسلاميون أنفسهم إسلاميين ويسمى العلمانيون أنفسهم هكذا، لكن عندنا الكل يتخفى وراء أسماء أخرى للتعمية، وخوفاً من المزايدة، ومن ثم خوفاً من الوضوح والشفافية. الإخوان أطلقوا على حزبهم «الحرية والعدالة» وهم ضد الاثنتين، والسلفيون أطلقوا على حزبهم اسم الوطن أو النور، وهم كذلك ضد الوطنية، والوطن، وضد النور والتنوير، نفس الأمر بالنسبة للأحزاب العلمانية والمدنية.
وفى تونس نجد الحزب الفائز فى الانتخابات يضم خليطاً من رموز ينتمون إلى حكم الرئيس المؤسس الحبيب بورقيبة، وآخرين من عهد زين العابدين بن على وجماعات من الذين تمردوا وثاروا على بن على ومجموعات علمانية أخرى، هكذا بلا حساسية وبلا مزايدة، وهذا ما نفتقده فى مصر، إذ إن ماكينة المزايدة تعمل لتقسيم الناس مرة إلى ناصريين وساداتيين ثم إلى فلول وثوار، ولو أن الفلول كانوا بهذه القوة وكانوا على درجة من الإخلاص لمبارك، فلماذا سقط مبارك سريعا؟ وبسبب المزايدة وجدنا بعض رجال لجنة السياسات يمتطون الفضائيات منذ يوم 28 يناير ويلعنون مبارك ونظامه، ولا غضاضة فى ذلك، من حق كل إنسان أن يعدل ويغير من آرائه، لكن دون مزايدة ودون إخفاء لماضيه. سعد زغلول، زعيم ثورة 1919، كان أحد رموز عهد ما قبل الثورة وعمل وزيراً مع الاحتلال البريطانى فترة ليست قصيرة، لكنه لحظة الجد انحاز إلى الوطن وإلى الشعب.
وحين تبرأ حياتنا السياسية والثقافية من المزايدة فسوف نتخلص من أزمات كثيرة، أظن أنها مفتعلة. وفى النهاية: هنيئاً لتونس وهنيئاً لمصر.


*نقلاً عن "المصري اليوم"
https://www.almasryalyoum.com/news/details/563627

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط