.
.
.
.

حتى لا تتقاعد جمعية المتقاعدين؟

فهد السلمان

نشر في: آخر تحديث:

علينا أن نسأل أنفسنا أولاً.. هل نحن جادون فعلاً في إقامة مؤسسات مجتمع مدني، أم أن الأمر لا يعدو كونه مجرد استجابة للنغمة السائدة من حولنا، كما لو أننا نطرب فقط لسماع مثل هذه المعزوفة وحسب، حتى وإن لم يتحقق منها أي شيء ملموس على أرض الواقع؟، لتبقى كل الأنشطة منوطة بمؤسسات الحكومة وبيروقراطيتها المعروفة، وهل نؤمن أساساً بفكرة مؤسسات المجتمع المدني كخطوط تنمية أهلية تسير بمحاذاة العمل الرسمي، وتضيف إليه، وتوحد الجهود، وتستثمر الطاقات، أم أننا نريدها فقط كواجهات زجاجية فاخرة لنقول للآخرين: ونحن أيضاً لدينا هكذا مؤسسات، حتى وإن كانت من الداخل مجرد خواء ليس له من اسمه نصيب؟

حينما نُجيب على هذه التساؤلات يكون بوسعنا وقتها إمّا أن نتحمس لما وجدت فيه الدول المتقدمة قطاعاً ثالثاً قادراً على الإنجاز بأقل التكاليف، وذراعاً تنموياً فاعلاً يُمكن أن ينضاف إلى القطاعين العام والخاص، أو نكتفي إن كنا نرفض متن الفكرة بما هو قائم الآن كما لو أنها مجرد ستاندات أو مانيكانات عرض تُقدم شهادة ولو مزورة على أننا أمة متحضرة.

ولتتضح الفكرة بشكل أفضل، سأضرب مثلاً بجمعية المتقاعدين، هذه الجمعية التي مضى على ترخيصها حوالي سبع سنوات، وباركها مسؤولون كبار، ورغم أهميتها في استثمار خبرات بعض المتقاعدين من أساتذة جامعات ووزراء وقيادات إدارية مدنية وعسكرية، إلا أنها لا تزال تتعثر بخطاها، وكأنها تعرضت للعنة الاسم فأوشكت على التقاعد قبل أن تبدأ باسم الله رغم الجهود المخلصة لأعضاء مجلس إدارتها، وإدارات فروعها (وجميعهم من المتطوعين) وسعيهم الدؤوب في كل الاتجاهات لإنعاشها وضخ أكسجين الحياة في شرايينها، وذلك بسبب ضعف التمويل. لائحتها المالية تركتها لاستجداء رجال المال والأعمال، وللهبات التي لن تأتي، وللوصايا والأوقاف، وللاشتراكات، بالله عليكم أي نشاط يمكن أن يقوم على اشتراكات 100 و 300 ريال، ثم هل بلغنا "اجتماعيا" هذا المستوى من الوعي بأهمية هذه المؤسسات لنجد من يتبرع لها أو يوقف لها العقارات؟

أليس من الأولى، وطالما أننا أمام ثقافة جديدة، نسعى لتثبيت أركانها على المستوى الاجتماعي، أليس من الأولى أن تتولى الحكومة ممثلة بوزارة الشؤون الاجتماعية تمويل مثل هذه المؤسسات و"بقوة" وبما يليق بدورها المنتظر، ودعمها إلى أن تقف على قدميها؟، أليس من الأولى أن يتم الزام البنوك كجزء من المسؤولية الاجتماعية بأن تخصص نسباً معينة وصغيرة من أرباحها لهذا النوع من النشاطات، وهي التي تبتلع الأخضر واليابس دون أن يحاسبها أو يشاركها أحد في أرباحها المتفاقمة؟، أليس من الأولى أن تتولى وزارة الشؤون الاجتماعية حث غرف التجارة على دعم هذه المؤسسات بدلاً من أن تتركها تتسولهم، دون أن يستجيبوا لها؟

هذه الجمعية وهي هنا مجرد نموذج كان من الممكن أن تنهار منذ اللحظات الأولى لتأسيسها لولا أن تبناها الأمير نايف -رحمه الله - وواصل الأمير محمد بن نايف دعمها بمجهوده الشخصي.

ولن أتحدث عن هموم المتقاعدين، وهلكة بعضهم من ذوي الرتب والمراتب الصغيرة وحاجتهم الماسة في خريف أعمارهم إلى أي عون ومدد، فالكل يعرف هذا، ولكني سأكتفي بالإشارة إلى ما تجنيه المجتمعات التي تؤمن بهذا النوع من المؤسسات من خبرات بعض القيادات والرموز من المتقاعدين كقلاع وخزائن خبرة، وهي إحدى غايات هذه الجمعية، وهناك بالمناسبة مثل أفريقي يقول: (عجوز يموت.. مكتبة خبرة تختفي). لذلك سأختصر: إن كنتم تريدون مؤسسات مجتمع مدني فادعموا مثل هذه المؤسسات ولو في العقد الأول من التأسيس إلى أن تقف على قدميها وتتأسس باتجاهها ثقافة اجتماعية.. أو أغلقوها.

*نقلا عن "الرياض" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.