محنة «داعش» في قرية «الدالوة»!

عبد الله ناصر العتيبي
عبد الله ناصر العتيبي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

قرأت بعض التعليقات الغربية والعربية على حادثة قرية الدالوة في محافظة الأحساء السعودية، والتي راح ضحيتها عدد من المواطنين الأبرياء. كثيرون عزوا هذا التمدد «الداعشي» إلى تنامي قوة التنظيم وقدرته على تجاوز الحدود باتجاه المملكة العربية السعودية. وبدأوا في التنظير لمرحلة «داعشية» جديدة لا تشمل العراق وسورية فقط، وإنما تتجاوز ذلك إلى بقية بلدان منطقة المشرق العربي.

كثير من المراقبين والمعلقين السياسيين يظنون أن هذا الامتداد باتجاه الجنوب يُظهر جانباً خطراً في المشروع «الداعشي»، يتمثل بالقدرة على تجنيد الأتباع خارج منطقة نفوذ التنظيم والتحكم بهم عن بعد ورسم الطريق لهم من نقطة الانضمام حتى نقطة تنفيذ المهمات!

فهل العملية الأحسائية مؤشر لبلوغ التنظيم درجة متقدمة من القوة والانتشار؟

في تقديري أن حادثة الدالوة تشي بالتخبط وحال التشويش التي ضربت العقل «الداعشي» أخيراً، بعد مواجهته التحالف الدولي في الموصل والأنبار وكوباني. هو ينفعل الآن في شكل لا إرادي، يضرب هنا، يهدد هناك، يتصرف بالضبط كمن يتعلق بحبال الهواء، وهو يفقد أجزاء روحه جزءاً جزءاً في وقت ذي بداية ونهاية!

التنظيم يعيش أيامه الأخيرة بوصفه تنظيماً ذا نفوذ جغرافي وسلطة إدارية على إقليم محدد، وبالتالي فهو يعوّض هذا التآكل الخطر لقدراته والانحسار الزماني والمكاني لوجوده برقصة الموت الأخيرة، التي تكتب على جبينها: الموت لي ولأعدائي.

«الداعشيون» قبل غيرهم يعرفون أن التمدد السريع لوجودهم خطأ استراتيجي كبير، فالقدرات البدائية التي تتوافر لديهم في الوقت الحالي، بالكاد تستطيع إدارة مناطق وجودهم الريفية قليلة التعليم والتحضر، الأمر الذي يجعلهم حريصين على تقوية شوكتهم وبريها في مناطقهم الحالية، إلى أن يتمكنوا من هزيمة التحالف الدولي، ومن ثم يبدأون في بناء شبكة ثقة في البلدان التي لم تصلها بعد أذرعهم لمواجهة السلطات وليس الشعب!

لو كان «داعش» في وضعه الذي نعرفه قبل خمسة أشهر، لاشتغل على التفاوض المباشر وغير المباشر باستخدام قوته على الأرض مع الدول المجاورة له، والتنظيمات الإرهابية الشبيهة، والمنظمات الدولية ذات العلاقة، لكنه اليوم في وضع لا يسمح له حتى بمجرد الفعل لأجل الفعل نفسه. هو بهذا الوضع الذي وجد نفسه فيه، يفعل على أمل بأن يكمل الآخرون الذين لا تربطهم به علاقة ما بدأه!

حادثة قرية الدالوة إحدى الأوراق الأخيرة التي كانت في يد التنظيم للحفاظ على وجوده بصفته شبه دولة، فالعقل المدبر للحادثة، بحسب ما تناقلته وسائل الإعلام، جاء بردائه «الداعشي» من مناطق الصراع في سورية، ومعه أحد حلول الخلاص القليلة للمحنة الحالية التي يعيشها التنظيم. جاء ليخلط أوراق المجتمع السعودي، ويشعل نار الفتنة بين السنة والشيعة، ليقطف ثمرة ذلك بشكل غير مباشر في حرب الوجود التي يعيشها في الإقليمين العراقي والسوري.

كان التنظيم يأمل من أبناء الأحساء بأن يتهموا السنّة، كل السنّة، بهذه العملية، ويثأروا لقتلاهم باستهداف تجمعات سنية في المنطقة أو غيرها، لتبدأ دورة عنف أهلي لا نهاية لها بين المجتمعات السعودية، وهذا ما سينعكس إيجاباً على حال التنظيم في بلاد العراق والشام.

كانت ورقة الخلاص الأخيرة مرسومة بعناية، ومنفذة بأدوات مغيبة عن الواقع لا تعرف من دهاليز الصراعات السياسية سوى ما تتلقاه من شيوخها، الذين يحملون وجهين متناقضين جداً: وجهاً عقدياً موجهاً باتجاه الداخل ناحية الأدوات ودهماء الناس، ووجهاً سياسياً براغماتياً موجهاً إلى القادة في العراق وسورية، ومناطق ربما تمثل مفاجأة للقارئ الكريم. يأخذون التوجيهات السياسية من زعمائهم السياسيين، ثم يفلترونها ويعيدون تصديرها بغطاء ديني، للأدوات المسكينة لتفعل ما تفعل وهي ترجو الجنة!

سقط «داعش» في المحاولة الأخيرة بفضل الله وثبات الأحسائيين، ويقظة الأمن السعودي، لكن سنتوقع خلال الأسابيع القليلة المقبلة عمليات من هذا النوع هنا وهناك، لترفع قدراً قليلاً من الضغط الذي يرزح تحته البغدادي ومجلس إدارة عصابته.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.