.
.
.
.

شكراً أستاذ عبدالرحمن

فيصل عباس

نشر في: آخر تحديث:

أستسمح القراء الأعزاء أن يعفوني من الكتابة في السياسة والمجتمع هذه المرة، وأن يسمحوا لي باستغلال هذه المساحة لأحاول أن أرد عبرها جزءاً من دين مستحق علي، وهو دين لا أدري إن كنت سأستطيع إيفاءه أبداً بحق شخص لن أستطيع – مهما عبرت جاهداً هنا – أن أقدم للقراء جديداً حوله، أو أضيف معلومة لم تكن معروفة عنه طوال العقود التي أثرى خلالها بلاط صاحبة الجلالة بمقالاته اليومية التي كانت ومازال – في رأيي ورأي الكثير – المرجع الأساسي لكل من يريد فهم تقلبات المنطقة وتوجهاتها السياسية، أو بإدارته الفذة لعدد من أهم وأنجح المؤسسات الصحافية بدءاً من مجلة «المجلة»، مروراً بصحيفة «الشرق الأوسط»، وانتهاء بقناة «العربية».

بكل تأكيد الحديث هنا هو عن الأستاذ عبدالرحمن الراشد، وما أريد قوله الآن هو أنني ولمدة ثلاث سنوات حبست هذه الكلمات، والآن وبما أن الأستاذ عبدالرحمن لم يعد مديري، لكونه قرر الاستراحة بعد عشر سنوات مكللة بالإنجازات، والتحديات، والذكريات في إدارة «العربية»، أستطيع أخيراً أن أسطر رسالة الشكر هذه ودون حرج.

هناك إجماع على الأستاذ عبدالرحمن بأنه من القلة التي تجمع بين البراعة الصحافية وحُسن الإدارة. عرفته قبل أن يعرفني حين كنت طالباً على مقاعد الدراسة أواظب على قراءة مقالته يومياً في «الشرق الأوسط». ولأني كنت أتابع كتاباته منذ تلك الفترة، أدرك كم قد تحمّل هذا الرجل من اتهامات ظالمة، لا لشيء سوى لأنه سمى الأشياء بأسمائها، فهو الذي حذر من مخاطر الأصولية قبل أن يصبح ذلك دارجاً، وهو من انتقد ممارسات الأنظمة القمعية في المنطقة قبل أن يصبح ذلك شائعاً.

وعلى الرغم من كل الإساءات، واختيار المنتقدين التطاول على شخصه بدلاً من مقالاته، بقي الراشد مترفعاً عن الرد، هادئاً ودائم الابتسامة وكأنه كان يعلم طوال تلك السنوات أن الحقيقة ستنجلي يوماً وسيدرك الكثير أنه كان على صواب، وهو ما حدث فعلاً.

أما على مستوى التعامل، فلا يسعني سوى القول هو أنني حين انتقلت إلى لندن للعمل في «الشرق الأوسط» (وقد كان غادرها حينها) كانت سيرته تتداول كما سير الأساطير بين الزملاء الذين عملوا معه، وكان الكل يجمع على رقي الراشد حتى عند الخصومة، إلا أن خير من وصفه هو الزميل عمر المضواحي حين لقبه بـ «قفاز الحرير» في بروفايل صحافي نشره مؤخراً.

ذلك لأن الأستاذ عبدالرحمن فعلاً «قفاز من حرير»، ولا شك في أنه بذلك فريد من نوعه، فهو وعلى الرغم من لطفه من أقسى الأشخاص الذين يمكن التعامل معهم حين يتعلق الأمر بالمعايير المهنية وتقييمه للمواد الصحافية، إلا أنه كان يمرر النقد بأسلوب سلس للغاية لدرجة «أن الأمر قد يستغرق الشخص ثلاثة أيام ليدرك أن عبدالرحمن قد وبخه» كما وصفه أحد الزملاء يوماً.

على المستوى الشخصي، لا أستطيع سوى أن أشكر الأستاذ عبدالرحمن على منحي فرصتين في آن واحد: فرصة أن أكون تلميذاً وأتعلم منه مباشرة، وفرصة تعيني رئيساً للتحرير وإيمانه بقدرات استطاع هو أن يراها داخلي في وقت لم أكن أدرك أنا أنني أملكها.

وما أستطيع قوله أيضاً هو أن الكثير لا يتوارون عن التضحية بزملائهم إذا ما تطلب الأمر، لكن القلة فقط – مثل الأستاذ عبدالرحمن – كانت مستعدة دائماً لأن تتحمل أخطاء فريقها وتصححها، وأحياناً دون حتى أن يعلم الشخص المخطئ ذلك.

هذا هو عبدالرحمن الراشد في 500 كلمة، وما من شيء يخفف من قراره بالاستقالة وحقه بالاستراحة سوى أنه باق معنا كعضو مجلس إدارة في مجموعة «إم بي سي»، وأن الاختيار وقع على إعلامي منمق، صاحب خبرة، وصديق عزيز هو الدكتور عادل الطريفي ليكمل مشوار «العربية» ونكمل نحن تحت قيادته مسيرتنا في بلاط صاحبة الجلالة.

* نقلا عن "الرؤية" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.