.
.
.
.

فقه الموت.. أم فقه الحياة الصالحة؟!

ناجح ابراهيم

نشر في: آخر تحديث:

تعجبت كثيرا للدعوات التى أطلقت من الخارج تدعو الشباب المسلم لثورة مسلحة.. فمصر أحوج ما تكون إلى دعوة للمصالحة وحقن الدماء.. أو دعوة لنبذ العنف والإرهاب ووقف التقاتل والتشاتم.. بدلاً من الدعوة للحرب والنزال.

فهل يريد هؤلاء حرقاً أكثر مما حرق.. وهل تبقى شىء فى بلادنا لم يحرق.. فقد حرقت الكنائس والمساجد والأحزاب وأقسام الشرطة والمحافظات والنيابات والمحاكم والمبانى الحكومية والمتاحف والمدارس بل والضباط فى الأقسام والشباب المتدين فى رابعة.. وحرقت معها قلوب المصريين.. فهل نحتاج إلى حرائق جديدة أم إلى رجال إطفاء لحرائق المبانى والقلوب والنفوس؟!.

وهل بقيت دماء مصرية لم تنزف بعد حتى تريقها ثورة مسلحة.. أين الدعاة لحقن الدماء ولم الشمل.. ومن يهتف فى الآذان والقلوب بـ«فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ» أى الذى لا عتاب فيه.. وأن يصدح فى الضمائر «ادْفَعْ بِالَّتِى هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ».

إن مصر لا تحتاج لدعوات الحرب بقدر حاجتها لدعوات السلام والتصالح والتغافر.. مع العمل والبناء ومحاربة الفساد والاستبداد والرشوة وتوريث الوظائف.

إن هذه الدعوات لن توجد المفقود من الشريعة ولن تحافظ على الموجود منها.. ولكنها ستضيع الموجود ولا تأتى بالمفقود.. إنها ستذبح الإسلام ودعوته بسكين العنف والدماء.

لقد تعلمت من حياتى الصعبة والمملوءة بالتجارب أنه لن يسمع صوت الأذان حى على الفلاح إلا بعد خمود صوت التفجيرات والرصاص.. فصوت المتفجرات بجبروته يغطى على صوت الأذان الرقيق.

وهل ستخرج هذه الدعوات السجناء أم ستزيد معاناتهم وعددهم وعنتهم؟

فبعد انطلاقها من قائد الجبهة السلفية بتركيا قبض على معظم أتباعه وأنصاره.. فالدول كل الدول تصاب بالوسوسة الأمنية والشك فى كل شىء فى حالة الصدام والحرب.. ويهدأ بالها ويعود إليها عقلها وحكمتها ورحمتها إذا هدأت الأحوال وساد الأمن والأمان.. ووقتها تتحسن الأحوال فى السجون ويبدأ الإفراج يتلوه الأفراح.. وقد جربنا ذلك قبل مبادرة منع العنف وبعدها.. فقبلها فى وقت الصراع كانت السجون المصرية كالنار الموقدة أما بعدها فأصبحت أفضل سجون المنطقة العربية.. حتى إن أكثر من ألف سجين ومعتقل زاروا بيوتهم. وبعضهم كان محكوما عليه بالإعدام فى سابقة لم تحدث فى تاريخ مصر من قبل.

لقد تعلمت أنه يمكن للمتشددين والمتعصبين والمتهورين أن يخرجوا الدولة عن عقلها وحكمتها، ويمكن للحكماء والعقلاء أن يعيدوها إلى حكمتها وعقلها ورحمتها.

فإشعال الحروب والصراعات يحسنه كل أحمق.. وإطفاء جذوتها ونشر السلام صعب وشاق ويحتاج لمن يبيع جاهه ابتغاء مرضاة الله.

فإدخال الشباب إلى السجون سهل يحسنه كل أحمق أما إخراجهم منها فصعب وشاق.

وتعلمت أن القائد العظيم هو الذى لا يدخل أبناءه أو شعبه فى معارك عبثية لا طائل من ورائها.. وأعظم منه الذى يخرجهم من السجون.

أما القائد الفاشل فهو الذى يدخل الآلاف إلى السجون أو القبور ويملأ البلاد بالثكالى والأرامل واليتامى.

إن مصر لن يصلح حالها طالما أن دعوات الانتقام والثأر والحرب تغطى على تراتيل السلام ودعوات الحب والعفو والصفح.. تلك الدعوات التى تملأ القرآن والأناجيل.

والمصيبة أن أكثر الذين يدعون للحرب لا يحسنونها.. فداعش لا تستطيع صنع بندقية فى الوقت الذى تدعو فيه لحرب العالم أجمع.

أما الذين يدعون للحرب من خارج مصر فيبيعون دماء الشباب بثمن بخس وهم فى مأمن وسعة عيش.. ويتلاعبون بجماجمهم وآهات جرحاهم ويتم أطفالهم وترمل نسائهم ليصنعوا مجدا كاذبا.

إن القائد العظيم هو الذى يرحم الناس ولا يوقعهم فى حرج ولا يكلفهم ما لا يطيقونه.. إن أكثرنا وللأسف يحسن صنع وفقه الموت ولا يحسن صنع الحياة الجميلة الطيبة الودودة التى تحب الله وتحب خلق الله.. وتحب العمل الصالح وتعمير الكون.

* نقلا عن "المصري اليوم"


تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.