.
.
.
.

الأستاذ عبدالرحمن الراشد

هاني نسيرة

نشر في: آخر تحديث:

كما هم الأساتذة منذ أن التصق وصف الأستاذ بأحمد لطفى السيد فى بدايات القرن، ثم بالأستاذ محمد حسنين هيكل فى منتصفه، فإن الأستاذ عبدالرحمن الراشد، فى مجال الصحافة المكتوبة والمرئية، أستاذ آخر له مدرسته وتجربته وتأثيره، ليس فقط فى النطاق الخليجى بل العربى بعامة.

ربما لا يعلم الكثيرون أن الشاب عبدالرحمن الراشد كان أول من سأل الرئيس الأسبق مبارك عن احتمالات توريث ابنه عند مقابلته الصحافية معه عام 1981، ولا يعلم كثير من العراقيين أنه كان رأس الحربة ضد إعلام الغزو الصدامى للكويت سنة 1990، كما أنه ربما كان أول من حذر من سرقة الثورات العربية منذ انفجار زلزالها عام 2011 وسابقات عديدة ليس هنا مقام ذكرها!

عرفته مديرا مبدعا ومفكرا موسوعيا متنورا، وبحاثة جادا عميقا، كان صاحب اللحن والمايسترو الذى يقود فرق العزف فى العربية كما سبق وقادها فى الشرق الأوسط وفى سائر المؤسسات التى تولى إدارتها.

كان النموذج الإدارى الرحب المتسع الذى يحترم زملاءه، صغيرهم وكبيرهم، قال لهم فى حفل توديعه الفضل لكم لم أكن عظيما بل أنتم العظماء، فلعبتنا ككرة القدم فريق وليست لعبة فردية يفوز بها العداء.

رجل المهمات الصعبة، القادر على التحدى والنزال، فى معركة الإرهاب منذ زلزال سبتمبر سنة 2001 ثم مع زلزال العراق فى 2003 ثم فى زلزال الثورات العربية سنة 2011 ظل قادرا على إدارة الصورة والفكرة والقضية تلو القضية وتفكيك المفاهيم، ومع تحدى التواصلية، استبق للفضاء التواصلى فجعله سندا ودعما للإعلام التقليدي.

فضلا عن نموذجه الإدارى أشهد أنه نموذج ثقافى وتنويرى مختلف، راسخ التكوين ومنفتح فى الآن نفسه على جديد المعلوماتية والمعرفة، تمتد معارفه عمقا فى كتب التراث الفكرى والأيديولوجى وكذلك فى مسائل السياسة والإعلام، ولكن يتابع فى الآن نفسه كل كبيرة وصغيرة تقع تحت يديه فى المسائل المختلفة، متكلم فذ ومستمع جيد ينصف مستمعه، ولا يأنف أن ينصف مخالفيه ومجادليه.

الراشد كذلك نموذج أخلاقي، يؤمن بالحق والحقيقة، وبحق الاختلاف وواجب الاعتراف، يؤمن بضرورة التنوع كشرط للثراء والازدهار، كان بابه مفتوحا كصدره وعقله للجميع، وسلوكه الفصل بين الموضوعى والذاتي، فى أيام رئاسته لتحرير للشرق الأوسط كانت أسماء إسلامية تجد مساحتها للكتابة دون قيد، ومختلفون عديدون يجدون مساحاتهم دون تدخل، وفى فترة رئاسته للعربية ظهرت مختلف الاتجاهات، بل كان حريصا دائما على تجديد الوجوه والدماء، واكتشاف المواهب الحقيقية، سمعت منه إنصافه للإعلامى الكبير الأستاذ صلاح نجم فى تأسيسها، كما أعرف إنصافه لنوابه وزملائه فى قيادة العربية، وتقديره للمختلفين فكريا معه من خارجها.

كان غنيا مستغنيا، فلم يستغل مكانه وموقعه لصالحه، لم يظهر مرة على القناة الأكبر التى كان يديرها ليحلل ويفرض تحليلاته على شاشتها، رغم أنه المحلل المرموق، فصل بين مهنيته ورأيه، وبين إدارته واختياراته، كان الأكثر متابعة وجهدا. يهتم بكل التفاصيل ويكشف الرؤى والاتجاهات، ويستشرف المسارات.

ذات مساء تداولت معه دراسة منشورة، بضعة آلاف من الكلمات وعشرات الصفحات، لم يأت الصباح إلا وهو قارئها.كان.الجاد المبتسم للتحدي. فأتاه النجاح يبتسم.

الراشد صنع مدرسة وأبناء وتلامذة كثرا، فى الإعلام المرئى والمكتوب. ملأوا الصحافة الخليجية والعربية والمواقع التواصلية شكرا له، مد يده لهم فى ظروف عصيبة، واتسع قلبه وعقله لهم فى أزمنة مقيدة، ولكن لم يجامل عاطفته يوما على حساب عقله ولا ذاته على حساب مؤسسته، فقد كان قادرا على قولة نعم وعلى قولة لا فى آن.

بفضل الراشد وفريقه غدت العربية المؤسسة الأكبر فى هذه المنطقة من العالم، كما أكد خلفه مدير عام العربية الدكتور عادل الطريفي، الذى أكد أنه سيواصل المسيرة والسيرة التى جمعت وما طرحت ووصلت وما قطعت. لتتجدد الدماء ويتواصل الإبداع والبناء.

يبقى الراشد الأستاذ. القيمة والقامة. رجلا يصنع النجاح والتأثير أينما كان وكيف كان. وتبقى العربية بقيادة جديدة تدرك التحدى وتصر على الإنجاز. بروح فريق تنتفى فيه الذوات فتصنع به النجاحات.

* نقلا عن "الأهرام المسائي" المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.