في اتفاق القيصر والسلطان

مصطفى زين
مصطفى زين
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

تركيا وروسيا إمبراطوريتان سابقتان تحاولان العودة إلى المسرح الدولي. الأولى مرضت وتفككت في عشرينات القرن الماضي والتحقت بالغرب لحماية ما بقي منها، لكنها لم تفلح في أن تصبح جزءاً من مؤسساته إلا على المستوى العسكري. والثانية انهارت في تسعينات القرن ذاته ولم تفدها «بريسترويكا» ولا «غلاسنوست» ميخائيل غورباتشوف، ولا سكر بوريس يلتسن في الالتحاق بالركب الغربي.

تغيرت الإمبراطوريتان السابقتان كثيراً، منذ تفككهما. وتغير معهما العالم. لم تعد تركيا الكمالية مكتفية بحماية حدودها وتهديد جيرانها العرب من بعيد. ولم تعد «ديموقراطيتها» وعلمانيتها مصدر إلهام لهؤلاء الجيران. بل أصبحت تشكل خطراً قائماً، بعدما استعادت مع أردوغان «روح» السلطنة الذي كانته طوال قرون حين سيطرت على كل العالم العربي وآسيا الوسطى، وصولاً إلى حدود روسيا من الشرق وإلى فيينا من الغرب. ولا شك في أن هذا الحلم يراود أردوغان الذي لا تمر مناسبة إلا ويذكَِر به وبأجداده. أداته في تحقيق هذا الحلم حركات إسلامية متطرفة إرهابية تتطلع إلى استعادة الخلافة، على غرار «خلافة» أبو بكر البغدادي الذي يحظى بدعم لا محدود من أنقرة.

أما روسيا الطامحة إلى استعادة هيمنة ونفوذ الإمبراطورية السوفياتية فتتحرك انطلاقاً من قوتها العسكرية وتحالفاتها في الشرق الأوسط مع سورية وإيران، وليس لديها أي قوة شعبية فالإسلاميون ضدها، وما بقي من أحزاب شيوعية لم يعد يشكل قوة ضغط على الحكومات، فضلاً عن أن موسكو ذاتها لم تعد ماركسية - لينينية. وأصبح البعد القومي الروسي هو المحرك الأساسي والدافع لاستعادة ما خسرته في العشرين سنة الماضية، خصوصاً في عهد فلاديمير بوتين، أو القيصر الجديد، الذي أعاد إلى الروس الشعور بالفخر. ويسعى كل جهده لتكون بلاده القطب الثاني والشريك مع الولايات المتحدة في إدارة العالم، فنسج تحالفات مع الصين وما عرف بدول «بريكس»، ليصطدم بالغرب الذي ما زال يعيش كابوس الشيوعية القادم من روسيا، فضلاً عن الماوية القادمة من بكين، على رغم تحول الأخيرة إلى الرأسمالية. يتحرك بوتين على هذا التحالف، بدءاً من اتفاقات شانغهاي الاقتصادية، وليس انتهاء بالموقف العسكري وقاعدة طرطوس في سورية.

جهود «السلطان» أردوغان اصطدمت بداية بموقف الدول العربية الرافض العودة إلى التاريخ المظلم للعثمانيين. هذا التاريخ الذي يسعى «الإخوان المسلمون» إلى إحيائه بالتعاون مع أنقرة وبحمايتها. ففي مصر، استطاع الجيش إطاحة هذا الحزب من السلطة. وفي تونس أصبحت «النهضة» جزءاً من تحالف حاكم، ولم تستطع التفرد بالحكم. أما دول الخليج فمعظمها، عدا قطر، وضع «الإخوان» على لائحة الإرهاب، فلم يبق أمام «السلطان» سوى «داعش» و»النصرة» و»الجيش الحر» للاستمرار في حلم لن يتحقق، فضلاً عن معارضة الولايات المتحدة تحقيق حلمه «الصغير» في إقامة منطقة حظر جوي في حلب، تمهيداً لقطف ثمار ما زرعه من إرهاب في سورية.

في اختصار، عزل سلوك أردوغان تركيا عن محيطها، مثلما عزل الغرب روسيا، خوفاً من طموحاتها في أوروبا ومحيطها المباشر في الشرق الأوسط. لتجاوز هذه العزلة التي وقعت فيها موسكو وأنقرة لم يكن أمام أردوغان وبوتين سوى التفاهم ففصلا الاقتصاد عن السياسة، في خطوة لم يسبقهما إليها أحد. قرر القيصر معاقبة بلغاريا فألغى مشروع مد أنابيب الغاز عبر أراضيها إلى أوروبا، واتفق مع «السلطان» على مدّه عبر أراضيه، ووقعا اتفاقاً طموحاً لزيادة التبادل التجاري بينهما إلى مئة بليون دولار. وأجّلا البحث في الإرهاب الذي ترعاه أنقرة ويهدد الاتحاد الروسي بالتفكك، كما أجّلا البحث في المسألة السورية، مكتفين بأنابيب الغاز علها تقرب بينهما سياسياً في المستقبل. لكن الإمبراطورية الأميركية، ومعها الإمبراطوريتان المنهارتان، فرنسا وبريطانيا، ستستمر في محاصرة موسكو، وفي دفعها إلى سباق تسلح قد لا تفيد معه كل الاتفاقات مع أنقرة وغيرها. على رغم قول بوتين، منذ أيام، إن قوته العسكرية لا تضاهيها أي قوة أخرى، وتلويحه باستخدامها إذا زاد خطر «المؤامرة الغربية».

باختصار شديد، العالم يدفع ثمن الصراع بين إمبراطوريات بائدة تحاول استعادة أمجادها، وإمبراطورية قائمة اسمها الولايات المتحدة تستخدم كل وسيلة للمحافظة على مصالحها في مستعمرات أصبحت نهبة للصراعات الطائفية والإثنية، ومسرحاً لحرب باردة بين الكبار ومدمرة في بلادنا.
نقلاً عن الحياة

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط