أيام لا طعم لها

علي سالم

نشر في: آخر تحديث:

هذه الأيام غريبة عني، ليس فيها ما أعارضه بشدة، كما لا يوجد فيها ما أتحمس له. هي كالماء الفاتر أو طبق الشوربة الذي لا طعم له.. أشعر وكأن سحابة سوداء من الاكتئاب هبطت على كل الأماكن التي أرتادها وكل الكلمات التي أستمع إليها وتلك التي أنطقها. ترى.. هل جاء الوقت الذي أعترف فيه أن الاكتئاب ينبع من داخلي وأن الحل الوحيد للتخلص من هذا الاكتئاب هو أن أتدرب على التفكير بنفس المنهج الذي يستخدمه الآخرون.

علي أن أبدأ بقضيتي كمواطن عربي، علي أن أعطي أهمية الأولوية للقضية الفلسطينية، تعال معي نحاول الإمساك بالفرحة لموقف عدد كبير من دول الغرب التي اعترفت بفلسطين كدولة، غير أن فرحتنا لن تكتمل لأن موافقة هذه الدول مرهونة بقيام الدولة الفلسطينية.. هي تقول لنا كعرب وللشعب الفلسطيني، «اتفضلوا حضراتكم» أقيموا الدولة ونحن نتعهد بالموافقة عليها.

وحتى لو وافقت كل دول العالم على قيام الدولة الفلسطينية، فكل هذه الموافقات لا تصلح بديلا عن موافقة الشعب الفلسطيني. وهي الموافقة التي تعني قدرة القيادة الفلسطينية ورغبتها في التفاوض المباشر مع الحكومة الإسرائيلية. وهو أيضا ما يحتم وحدة القيادة الفلسطينية وهو ما فشل الفلسطينيون في الوصول إليه. هذه هي أخطر نقاط الضعف عند المفاوض الفلسطيني. وحتى لو أعطت حكومة حماس لسلطة رام الله توكيلا بتمثيلها في المفاوضات المقبلة - إن حدثت - فسيكون من حقها أن تسحب توكيلها إذا لم ترض عن الاتفاقية. وعلى كل حال لن توافق إسرائيل على التفاوض مع طرف يتضمن ميثاقه المعلن القضاء على إسرائيل. الكل يهرب من مواجهة هذه الحقيقة وهي أنه في غياب حكومة فلسطينية موحدة فعلا وليس على الورق، مستحيل حدوث أية مفاوضات بين الطرفين وبالتالي الوصول للدولة الفلسطينية المرتجاة.

في المفاوضات أنت لن تحصل على كل ما تطلبه، لا بد أن تترك شيئا وأن تأخذ في مقابله شيئا، والتفاوض من أجل تأسيس دولة هو أصعب أنواع التفاوض، لأنه لا يتطلب وجود رجل الدولة التقليدي، بل رجل الدولة المؤسس. ستكون القدس هي أصعب نقاط الاتفاق والاختلاف بين الطرفين، ومع ذلك فهناك من يرى بين الإسرائيليين ومنهم الروائي الإسرائيلي عاموس عوز أنه من الممكن أن تكون القدس عاصمة لشعبين وحكومتين وتحكمها بلدية موحدة. وهي بالطبع فكرة لن توافق عليها التنظيمات الدينية في الطرفين.

أعتقد أن فكرة تحرير القدس، استغلت لارتكاب حماقات كثيرة، بالطبع ما زلنا نذكر أن الطريق لتحرير القدس يبدأ بتحرير الأردن، وتحرير لبنان، ثم تحرير الكويت وذلك عندما وقفت منظمة التحرير الفلسطينية داعمة ومساندة لصدام حسين عند احتلاله الكويت. لست أنكأ جراحا قديمة، أنا فقط أذكر بأخطاء وخطايا استغلت فيها القدس كشعار مرفوع لإخفاء رغبات سياسية وفوضوية.

الفلسطينيون في حاجة إلى رجل دولة مؤسس عينه على المؤرخ وليس على الشارع.

نقلاً عن صحيفة "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.