.
.
.
.

مأساة السؤال كيفَ؟!

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

كان أول عهدى بالثورة فى فبراير ١٩٦٨ حينما خرجنا طلابا مع العمال نحتج على «أحكام الطيران» التى بدت ضعيفة مقارنة بالكارثة التى جرت مع هزيمة يونيو ١٩٦٧. كانت الصدمة الأولى التى قادت إلى مظاهرات ٩و١٠ يونيو قد راحت، والالتفاف حول الزعيم الخالد وثورة يوليو بات موضوعا للتساؤل، ومقدرته على ضوء ما تكشّف على تحرير الأرض المحتلة أصبحت موضوعا للشك. أيامها خرج الرئيس ببرنامج ٣٠ مارس الذى كان أول اعتراف بأن شيئا ما خطأ فى النظام الثورى الذى عرفناه، كان من بينها تصريح عبدالناصر أنه لا ينبغى أن يكون هناك تناقض بين الثورة وشباب الثورة. وكان آخر عهدى بالثورات هو ما جرى فى يناير ١٩٧٢ حينما خرج طلبة الجامعات احتجاجا على طول الانتظار لعملية تحرير الأرض المحتلة؛ ولذا حينما جاءت حرب أكتوبر ١٩٧٣ التى شاركت فيها، وتم تحرير الأرض، انتهت علاقتى بالثورة. وبعدها جرت مياه كثيرة تحت الجسور حتى جاءت ثورة يناير ٢٠١١، وكان أهم ما لفت نظرى فيها التواجد الكثيف للشباب، تماما كما كان الحال قبل أربعة عقود حينما غنى نجم وإمام عن «الورد اللى بيفتح فى جناين مصر».

جرى الزمان دورته حتى كانت ثورة أخرى فى يونيو ٢٠١٤، وما بين الثورة الأولى والثانية لم يكن هناك إلا حالة من الاحتجاج والقلق المستمر، ولكن عينى لم تتوقف قط عن متابعة تلك الجماعة من الشباب التى خرجت من الإعصار إلى الكتابة فى الصحف وخاصة من جاء منهم إلى «المصرى اليوم»، باختصار إلى العالم الذى أعيش فيه. ورغم كل ما قيل عن «الشباب المصرى» فقد كانت هذه الجماعة تترك أثرا (الأثر قد يكون بالقبول أو الرفض) مع كل مقال، فهى متمكنة من اللغة، ومن حرفة الكتابة، وفى أحوال كثيرة إجادة تامة لكيفية تحليل الأحداث باستخدام المادية الجدلية وكثير من فكر ماركس وهيجل. هؤلاء حاليا يعيشون حالة من الاغتراب المقترن بالغضب وأحيانا الحزن النبيل؛ الغضب لأن الأقدار اكتسحت أحلاما نبيلة، والحزن لأنه كانت هناك أخطاء فادحة لأن هذه الأحلام لم يقدر لها أن تكون واقعا. وربما كانت هذه هى آفة شباب الثورة لأن البديل كان لديهم هروبيا من مواجهة حقيقة أن الثورة لم تجب أبدا على السؤال «كيف» يتم تحقيق هذه الأحلام. من كان لديه إجابة من المجلس العسكرى تولى السلطة، وبعدها كان لدى الإخوان إجابة فتولوا السلطة، وبعدها كان لدى الشعب المصرى أو غالبيته إجابة ثالثة تمحورت حول الرئيس السيسى فكان النظام الذى نعيش فيه.

السؤال فى غاية الأهمية لأنه يفصح عن تناقضات الواقع، فكان مستحيلا التظاهر من أجل المشكلات الاقتصادية بينما هذه المشكلات لا تحل ولا يمكن حتى التفكير فى حلها بينما المظاهرات مستمرة. ولم يكن ممكنا إقامة نظام سياسى مستقر بينما يجرى الهجوم على وزارة الداخلية فى الوقت الذى تفرغ فيه الإخوان لكسب – فى الحقيقة اكتساح- الانتخابات. لم يكن ممكنا تحقيق أى هدف ما لم تكن هناك دولة فى المقام الأول حيث الدولة هى الوعاء الذى تسود فيه الحرية، وتقام الديمقراطية، ومن الممكن فيه تحقيق الرخاء. ممن الممكن بالطبع السخرية من الدولة، والخجل من أحداث تجري- أهمها موضوع «صباع الكفتة»! – ولكن الثورة لا تكتمل ما لم نعرف كيف نمنع ذلك من الحدوث مرة أخرى. كانت قصة ثورتنا ليس فقط أن نحرر الأرض، بل منع احتلالها مرة أخرى سواء كان المحتل هو إسرائيل أو «داعش»، وما قبل أو بعد ذلك محض تفاصيل.

نقلاً عن صحيفة "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.