كم خسرنا بسبب الفساد السياسي؟!

يوسف الكويليت
يوسف الكويليت
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

الفساد لا يرتبط بمفهوم واحد، فهو وباء تاريخي له عموميات في الإدارة والمال والرشوة وبيع الذمم، ثم الفساد السياسي وهو الشامل لجميع تلك العناصر وخاصة حين يكون هناك عشرات الداعمين للسلطة من إعلاميين وإداريين وحزبيين، ثم تأتي المؤسستان العسكرية والأمنية لتحرسا الفساد، والوطن العربي الذي ظل حقل تجارب في حقبه القديمة عندما تحول الشاعر إلى هجّاء للخصوم ومدّاح للولاة والخلفاء، هو وكيل وزارة إعلام مطلق الصلاحية في عصور زعامات نصف القرن الماضي.

عصرنا الجديد نافس الماضي بأن تحققت للسياسي وسائل مساعدة، فقد سخّر المذياع والصحيفة وإشاعة الفوضى على الخصوم في عملية سلب المواطن إرادته وتحوله إلى بوق تراقبه أجهزة رصد سمعية وبصرية تحاصر كلماته وتنقلاته، فصار معيار الحرية أن تكون في صف الدولة الحرة من الاستعمار والرجعية وتعطي للزعيم أن ينطق بالنيابة عنك، لأنه مثل المفوضين من الإله، كما يزعم البعض ليكون ظله، ولكن "بنياشين" البطل الخارق والذي درس الأحوال والتواريخ ونظم الاقتصاد وقوانين الأحوال الشخصية فمهر توقيعه بأن يكون برتبة قائد فوق الآخرين.

المضحك المبكي أنه في مرحلة عربية كنا جزءاً من غبائها السياسي والفكري نظرنا إليها بروح المخلّص حين تذهب الزعامات ورؤساء الأحزاب والمفكرون والصحافيون إلى واحة الحريات في موسكو أو دول أوروبا الشرقية والصين حتى إن صور تلك القيادات كانت تحتل صوالين الإمبرياليين الاشتراكيين، إن صح التعبير، عندما سلبوا امتيازات من قبلهم في السيطرة على الثروات والسلطات والرشوات وغيرها، ليفكروا بالنيابة عن شعوبهم بعدالة ما يطرحونه وتؤيده طبقات شعبية حظها من التعليم لم يصل إلى مكافحة الأمية، يتم حشدهم في الطرقات والشوارع والميادين للهتاف لأي مناسبة فيها زائر من القوى الاشتراكية ودول عدم الانحياز والاتحاد الآسيوي - الإفريقي حتى اعتقد المواطن أنه تحرر وبدأ مشروع تحرير العالم من الإمبريالية الكونية.

تلك الذكريات عبرت ويتذكرها جيل خرج منها بكشف حساب عسير، البعض وصل إلى الانكفاء الذاتي بعد فقدان الأمل، وآخر تحول إلى الدين والمتدينين يبحث عن بديل موضوعي، وثالث كفر بتلك الأفكار والأيديولوجيات ليكون غربياً ورأسمالياً للانتقام مما كان يعتقده بعد فشل مشاريع الورق، وهزائم الجيوش وسقوط الزعامات التي ظل يركض خلفها بأعلامه المرفوعة أو كتاباته وقراءاته التي فسخ عقده نهائياً معها ومع من عاشوها.

في المنطقة العربية ومحيطها لا تزال بعض السلوكيات قائمة وعلى نفس المستوى من القيادات وغيرها حين يغررون بشعوبهم بإعطاء تسميات لأمريكا بـ "الشيطان الأكبر"، وأوروبا بالحليف المساند للعدو كما يحدث الآن حين يتم الزواج بين روسيا وفنزويلا وكوريا الشمالية مع نظام ديني في إيران بعيد تماماً عن أيديولوجيات ومعتقدات تلك الدول إلا البحث عن معادل للغرب، وهذا العدو هو الذي تُقدم له التنازلات للحصول على رضاه في رفع الحصار، والعمل على إيجاد صفقات مبرمجة، ولا يقتصر الأمر على دولة الملالي، وإنما أتباعها في سوريا والعراق اللتين تمارسان سياسة الإذعان لمختلف القوى، وتأتي بعد روسيا بقايا دول اليسار، ومع ذلك فهؤلاء الذين يعيشون على أفكار القطبية القديمة يدركون أن تقاسم القوى العالمية جاء بدول أخرى تتعامل مع مصالح وليس أيديولوجيات يتم فيها تآخي الذئاب مع قطيع الأغنام ليناموا في غرفة نوم واحدة.

* نقلا عن "الرياض"

www.alriyadh.com/1006463

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط