الانسحاب من أفغانستان: نهاية مسؤولة أم مجهولة!
في أيلول/ سبتمبر 2009 أجريت حوارا صحفيا مع سيف الله جلالي، قائد جبهة كابل في حركة طالبان الأفغانية، يومها كانت طالبان قد بلغت أوج قوتها الميدانية، منذ سقوط حكومتها عام 2001، مع مساع إقليمية و مباركة أمريكية بأن تبدأ طالبان حوارا مع الرئيس الأفغاني آنذاك حامد كرزاي. جلالي تحدث بسخرية عن هذه المساعي، وقال بأن من لا يملك إرادته – يقصد كرزاي – كيف له بأن يبدأ حوارا وأن يتفاوض معنا على مطالبنا، وعزا جلالي كل هذه التحركات يومها الى أمرين، الأول : أن الولايات المتحدة بدأت تشعر بثقل حرب أفغانستان ماديا وبشريا، الأمر الثاني أن الولايات المتحدة فشلت في القضاء على طالبان .
اليوم تصل الحرب في أفغانستان الى نهاية غير "مفسرة "، لكن الرئيس الأمريكي باراك أوباما في كلمته التي ألقاها يوم 28 من ديسمبر 2014 بمناسبة انتهاء مهمة القوات الدولية في أفغانستان أسماها "نهاية مسؤولة"، نهاية مسؤولة ربما بمنطق التعامل مع الوقائع على الأرض، أي الانسحاب بأقل الخسائر!
الحفل الصامت الخجل الذي أقامته قوات حلف شمال الأطلسي خلف جدران محصنة في كابل ، لم يكن احتفال الأبطال المنتصرين، بل دلل على حقيقة واحدة هي أن الاستقرار في كابل لا زال مفقودا، فهجمات حركة طالبان على العاصمة كابل بلغت ذروتها في نوفمبر الماضي مسجلة أكثر من إثني عشر هجوما نوعيا.
وإذا كانت "نهاية مسؤولة" ، فالسؤال أين صرفت ترليون دولار ؟ تقول دراسة أعدتها صحفية فايننشال تايمز مؤخرا أن الولايات المتحدة صرفت أكثر من ترليون دولار في أفغانستان ، أي ما يقارب على تسعة ملايين دولار كل ساعة على مدى ثلاثة عشر عاما ؟ رقم فلكي مهول كان يمكن أن يحول أفغانستان الى سنغافورة !
على الصعيد السياسي جاءت توليفة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري أخيراً للخروج من أزمة الرئاسة الأفغانية بخلق منصب جديد ليس في النظام السياسي الأفغاني وهو موقع الرئيس التنفيذي لإرضاء المرشح الرئاسي عبدالله عبدالله الذي لم يكن ليقبل بأقل من منصب يوازي صلاحيات الرئيس، لأنه يعتقد بأن أشرف غني فاز عبر عملية تزوير مكشوفة ، و عليه تقاسم أشرف غني و عبدالله عبدالله السلطات والوزارات. هذه ليست كل الحكاية فخلف الكواليس، بحث كيري مع المتنازعيْن على منصب الرئاسة استعدادهما التوقيع على الاتفاقية الأمنية التي تسمح بوجود قوات أمريكية وأجنبية في أفغانستان عقب الانسحاب المقرر نهاية عام 2014.
فبعد أن رفض حامد كارزاي الرئيس السابق التوقيع على ما سمي بالاتفاقية الأمنية الثنائية مع الولايات المتحدة والتي تسمح ببقاء 13 ألف جندي أجنبي في أفغانستان من بينهم 10 آلاف جندي أمريكي بعد عام 2014 تحت مسمى مستشارين ومدربين وجهود محاربة الإرهاب ، و بعد أقل من 48 ساعة على تسلم غني وعبدالله موقعيهما رسميا في 29 من سبتمبر 2014، وقع الرئيس الأفغاني الجديد أشرف غني على الاتفاقية الأمنية الثنائية.
المشكلة هنا، وفي نظر الكثير من المراقبين للشأن الأفغاني أن الولايات المتحدة اعتمدت بشكل أساسي على إقامة بنية سياسية تسعى لتحقيق مصالحها بغض النظر عن شرعيتها وقدراتها، فخلقت بذلك نظاما سياسيا هشا، و حولت أفغانستان الى شركة مساهمة تقوم عليها شخصيات أفغانية طالما عرفت بالفساد و ارتكاب جرائم حرب، كعبدالرشيد دوستم مثلا الذي عين نائبا الرئيس الأفغاني . يقول تقرير صدر في مارس 2014 عن مكتب المفتش العام لمشاريع إعادة الإعمار في أفغانستان المعروف اختصارا (سيغر) ويتبع الحكومة الأمريكية إن الاستراتيجية الأمريكية القائمة على التحالف مع أمراء حرب ساعدت على انتشار الفساد المالي والإداري، حتى أن الجنرال جون ألين القائد السابق للقوات الأمريكية والناتو في أفغانستان وصف الفساد المالي والإداري في أفغانستان بأنه العدو الأول وليس طالبان. و وفق تصنيف منظمة الشفافية العالمية تقف أفغانستان اليوم كرابع دولة من حيث الفساد المالي في العالم، فيما تقول تقارير الأمم المتحدة إن 1.2 مليار دولار ذهبت كرشاوى في أفغانستان خلال عام 2014 فقط، حيث يحتاج المواطن العادي لدفع 20% من دخله كرشاوى من أجل تسيير معاملاته اليومية. فيما احتلت أفغانستان المرتبة الأولى عالميا في زراعة المخدرات ، حيث تنتج أفغانستان وفق تقديرات الأمم المتحدة لعام 2014 ما نسبته 90 في المئة من المخدرات في العالم، والمثير هنا أن هذه التقديرات الدولية تؤكد أيضا أن زراعة المخدرات ازدادت على مدى السنوات الثلاث عشرة الماضية، و بلغت هذا العام ضعف ما كانت عليه خلال فترة حكم طالبان !
أما المؤشرات الاقتصادية فليست أكثر تفاؤلا، حيث انخفض اجمالي الدخل المحلي من 13.5% إلى 3.2% خلال الأعوام الثلاثة عشر الماضية وذلك وفق تقديرات البنك الدولي، فيما لا يتراوح متوسط دخل الفرد سنويا عن 670 دولار، أي ما يقرب على 56 دولار شهريا ! مع ضعف حقيقي في مشاريع التنمية المستدامة حيث تشير تقارير الأمم المتحدة أن جهود الاستثمار انصبت على مشاريع اقتصادية غير مستدامة كقطاعي الاتصالات والمواصلات، فيما كان الاستثمار و التمنية في قطاعات الطاقة والرعاية الصحية والتعليم والثروة المعدنية الأقل حظا ، وتقول دراسة أعدتها مؤسسة آسيا - آسيا فاونديشن- أن 10% فقط من الأفغان هم يحصلون على الكهرباء فقط!
فكيف سيكون مستقبل أفغانستان بعد هذه الحرب التي اعتمدت سياسية عسكرية وأمنية بحتة؟ لا شك أن لأفغانستان اليوم جيشا وطنيا يبلغ تعداده 200 ألف جندي وفق أغلب التقديرات، لكنه جيش ينقصه التدريب والقدرة على القتال، و وفق شهادة مسؤولين في القوات الخاصة الأمريكية - القبعات الخضر - في تقرير رفع للقيادة المركزية الأمريكية في أكتوبر 2014 ، فإن الجيش الوطني الأفغاني " لا يمكنه الصمود أمام طالبان، و أن جنوده يرفضون القتال، ويفضلون عدم المواجهة، وأن هذا يضع الحكومة الأفغانية والمشروع الذي استغرق 13 عاما من الحرب في خطر" !
في الحرب الأفغانية – السوفياتية خلال الحرب الباردة نشأت القاعدة وجماعات أخرى مسلحة أخرى في باكستان وأفغانستان ثم انتشرت في المنطقة العربية عقب نهاية الحرب الباردة ، في هذه المرة، وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر فرخت هذه الحرب حروبا ، وجماعات مسلحة في كل مكان، فظهرت طالبان في باكستان، والقاعدة في العراق والمغرب العربي والصومال و في سوريا، وأخذت اليوم مسميات عدة من أهمها تنظيم الدولة الإسلامية ، و باتت جميع هذه التنظيمات والجماعات في نظر الولايات المتحدة والمجتمع الدولي خطرا يتداعى له الجميع، فها حقا باتت الولايات المتحدة بعد انفاق ترليون دولار أكثر أمنا وهل باتت المجتمعات العربية والغربية أكثر أمنا ؟
المؤشرات كلها إذن تقول أن الصراع على السلطة في أفغانستان سيستمر، و أن قوة حركة طالبان في أفغانستان في ازدياد، وأن تحالفها الاستراتيجي مع القاعدة لم ينفك بعد، حتى وإن ضعفت القاعدة وتحولت الى شظايا هنا وهناك ، فإن المنطقة بأكملها ستكون مشغولة في صراع مصالح و نفوذ قديم، يتجدد كلما قل أو زاد اهتمام الولايات المتحدة بمصالحها في المنطقة ، الأكثر أهمية أيضا هو أن الصراع في المنطقة مؤهل الى استقطاب وتفريخ جماعات مسلحة أخرى، أكثر عنفا وتطرفا، ستعيد اهتمام الولايات المتحدة والعالم الى المنطقة مرة أخرى.
خلاصة الحديث المسجل وغير المسجل مع قائد جبهة كابل سيف الله جلالي كان أن الولايات المتحدة و قوات حلف شمال الأطلسي تعد للانسحاب ما أفغانستان، فيما طالبان تعد العدة للعودة للسلطة .
لا نعلم حقيقة قدرة طالبان في العودة الى السلطة، لكنها لا زالت التهديد الأول أمام الجيش الوطني الأفغاني الذي سيواجه هذه الحرب بشكل مباشر. أما وصف هذه الحرب بأنها وصلت الى نهاية "مسؤولة" فهو قول لا تؤيده الكثير من الوقائع على الأرض