.
.
.
.

فرنسا.. كما أعرفها

مازن السديري

نشر في: آخر تحديث:

ككل الأسوياء في العالم، تلقيت خبر الاعتداءات الإرهابية في باريس بكثير من الضيق والحزن، بل أزيد عن الآخرين بعاطفة محبة خاصة أكنها لفرنسا، نظرا لدراستي هناك وعملي لسنوات في مجتمع "فرنكفوني"، وكونها أحد أهم مراحل الذكرى في ترتيب حياتي.

وحتى يتم الحديث عن القضية من كل جوانبها، فإنه يجب أن أتطرق لعلاقة المسلمين باليهود، وبفرنسا لأسباب استثنائية، غير موجودة في دولة أخرى.. وهي بنظري كالآتي:
أولاً: لا أتوقع بأنه ستكون هناك ردة فعل ضد الإسلام والمسلمين في فرنسا، فنسبة المسلمين تصل 10% من الشعب، ولا يخلو أي بيت فرنسي من صداقة أو زمالة أو معرفة بمسلم؛ لذلك الإسلام لديهم معروف نسبياً أكثر من الأمريكان، الذين يجهلون هذا الدين والحضور الإسلامي، بنسبة أقل من فرنسا كثيراً، وحتى الأحداث الأخيرة أصيب فيها مسلمون أو شاركوا ضد الإرهاب.. ولعلكم تذكرون المسلم الذي اعتدى على مدرسة أطفال يهود في "تلوز"، قتل على يدي شرطي فرنسي مسلم عندما حاول الهرب، ويمكن القول إن العلاقة بين المسلمين واليهود في فرنسا - إلى حد كبير - مثالية؛ لعدة أسباب، أن أغلب اليهود الفرنسيين من أصول مغربية يتشابهون مع المهاجرين المسلمين في ذائقتهم الموسيقية (radio juif) - إذاعة اليهود الباريسية - تسهر في المساء على صوت ليلى مراد وأم كلثوم، وكذلك نفس المائدة حيث وجبة "الكسكس" و"الطاجن" على موائدهم، وحتى أهم الشخصيات اليهودية في فرنسا من أصول عربية مثل "ستراوس كاهان"، مدير صندوق النقد سابقاً، أصله تونسي والمطرب المشهور (مسياس) أصله جزائري، وأحياء سكنهم أيضاً متداخلة مثل شارع (menilmontant) الذي يعج بمسالخ المسلمين ومقاهيهم، ويوجد في قلبه عمارة لليهود ومدرسة، وتجد الحاخامات يمشون بالشارع بين العرب.. والأمثلة على هذا كثيرة.. وشخصياً أتذكر مظاهرة ضد السامية في عام 2009 شارك فيها المسلمون واليهود معاً، بل إن مساحة التسامح كبيرة جداً، هذا وقفت عليه بنفسي قبل سنوات، وأتذكر تحديداً عندما ذهبت (للمراجعة الدراسية فقط) في بيت زميلتي اليهودية راشيل وكانت عمارتهم ممتلئة باليهود، وفي وسط العمارة تفاجأنا بوجود شقة يستخدمها المسلمون كمسجد.. كما أنه لا يوجد حي سكني في باريس إلا وبه حوانيت للمسلمين، هم أصحاب لأهل الحي، وتذكرون جميعاً قصة اليهودي الذي اعتنقت بناته الإسلام وارتدين الحجاب فدافع عن حقهن، ونتج عن هذه القصة الرواية الشهيرة (الحاج إبراهيم وزهور القرآن)، التي نالت رواجاً واسعاً وتحولت إلى فيلم شهير بنفس الاسم.
ثانياً: فرنسا دولة عريقة ليست مثل الولايات المتحدة، لذلك المسلمين واليهود في نظر الفرنسيين هم مهاجرون، بل إن الفرنسيين كانوا يتداولون شتيمة (يهودي قذر) دلالة على النظرة العنصرية تجاه اليهود أكثر من العرب، ولكن الزمان والسلوك الحضاري طوعتا الفرنسيين للتعامل بحضارية أكثر مع المهاجرين، خصوصاً أن اليهود لاحقتهم أفران هتلر في فرنسا، وشاركوا في المقاومة الفرنسية، كما شارك العرب في مقاومة الجيش الفرنسي وهذا فضل لا ينكره الفرنسيون..
أخيراً، أختم المقال - بسبب ضيق المساحة - بالقول بأن علاقة الإسلام بفرنسا واليهود قوية، ولكن أسباباً سياسية واقتصادية غيّرت من ذلك، سأعود إلى تفصيلها في مقال لاحق.


*نقلاً عن "الرياض" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.