.
.
.
.

انتحاريان من بلدي...

بيسان الشيخ

نشر في: آخر تحديث:

يعود الإخوة - الأعداء في مدينة طرابلس اللبنانية إلى الواجهة مجدداً عبر عمليتين انتحاريتين نفذتا أخيراً في مقهى شعبي في منطقة جبل محسن ذات الغالبية العلوية، في ما يبدو أنه استئناف لدوامة عنف لم تنقطع يوماً. لكن المفاجأة التي حملها الاعتداء الأخير هي أنه لا يشبه ما اعتاده الطرفان من جولات قتال ترتسم فيها حدود واضحة للمحاور، وتنتظم خلالها عمليات الكر والفر إلى أن يتدخل الساسة أو الأجهزة الأمنية فيوعزون بإيقافها، لتتوقف فعلياً.

وعليه، لم يؤخذ يوماً «تطرف» مقاتلي باب التبانة على محمل الجد، ولا اعتبرت أعمال العنف التي انخرطوا فيها نتيجة عقيدة جهادية تكفيرية متماسكة، بل كانت لك قشرة لما يمكن أن يسمى «فتوات الأحياء». وحتى الأمس القريب، كانت القناعة راسخة بأن البيئة السنية اللبنانية لا تنتج «إرهاباً منظماً» بهيكلية «قاعدية» وتراتبية واضحة، وإنما قد تلد حالات فردية من العنف الديني الذي يستمد قوته من الفقر واليأس والإحباط السياسي.

عزز تلك المقولة أن غالبية الشبان في حزام البؤس ذاك ممن ينخرطون في أعمال عنف حديثو التدين، وأصحاب سوابق، وغالباً ما يلجأون إلى المسجد لإعلان توبة عن الجنح التي اقترفوها، أو للتخلص من إدمان وانتزاع اعتراف اجتماعي بهم. فإشهار التدين بالنسبة إلى هؤلاء بمثابة تبييض لسجلهم وتطهير لنفوسهم حتى إذا ما دفعوا به إلى ذروته باتوا قادرين على التضحية بأرواحهم.

ولا شك أنه من التبسيط القول إن ذلك يلخص وحده دوافع التطرف لدى شباب الطائفة السنية في تلك المنطقة التي تعيش بمحاذاة «عدو» (علوي) يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالنظام السوري و»حزب الله»، مع كل ما يعنيه ذلك من مسببات التوتر. فالعوامل السياسية، والتاريخية، كما القوة المفرطة التي يلاقيها هؤلاء من الأجهزة الأمنية، تتداخل كلها لتغذي الأحقاد والجنوح إلى العنف بين أشخاص لا يملكون ما يخسرونه أصلاً. فهل كان الشابان اللذان أقدما على تفجير نفسيهما في ذلك المقهى على قيد الحياة أصلاً قبل أن يطلقا الصاعق؟

تقول إحدى الروايات إن أحد الشابين فجر نفسه من أجل فتاة أحبها ولم يرض أهلها تزويجها له. على قدر ما تبدو تلك القصة خرافية، فإن في الواقع حالات العشق والهيام التي تقابل بحائط مسدود، هي من أكثر ما يتردد في تلك المنطقة من قصص حميمة تعري الإحباط الداخلي، ذلك الذي لا يملك الشاب حياله أي سلاح. فهنا، ينكشف له «المستحيل» الفردي الذي يوقظ بقية المستحيلات، تلك التي يتشاطرها مع شلته، وأبناء حيه، أو كما يطلقون على نفسهم «أبناء دعوته».

في كتابه «جهاد بلا قيادة» (leaderless jihad) يتحدث مارك سايجمان (وهو طبيب نفسي وباحث متخصص في شؤون الإرهاب)، مطولاً عن دور الشللية في خلق مناخ ملائم يسهل على المجند أن يخرقه ويستقطب أفرادها عبر إيجاد المحفزات لهم وإطلاق وعود بالخلاص من مأزقهم الوجودي. والأخير يأتي بخبرة خارجية جديدة على الشلة، غالباً ما يكون اكتسبها عن «أمير» له سمعة وبطولات في أرض المعركة، أو مظلومية في السجن أو غير ذلك. لذا، لا يعود من الأهمية بمكان أن يحمل المنفذ نفسه الفكر المتطرف بقدر ما يهم أن يبدي استعداداً وإقبالاً على تنفيذ ما تمليه عليه تلك «القدوة»، تماماً كما لا يعود الحديث عن «بيئة حاضنة» مجدياً إذا توقف البحث عند الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي قد تؤدي بصاحبها إلى الجنوح (القانوني) ولا يذهب خطوة أبعد إلى حيث غسل الدماغ الفعلي في البيئات المغلقة كالسجون، حيث مصنع جنوح آخر.

وعليه، تكشف سير الانتحاريين اللبنانيين الأخيرين، بعض السمات والخصال المتشابهة منها مثلاً إنهم ليسوا متدينين، ويحبون الموسيقى، ويلبسون الثياب العصرية، وغالباً ما أوقفوا بجناية صغيرة أو لتعاطي المخدرات وغير ذلك مما يشير ليس إلى حداثة تدينهم فحسب، بل أيضاً إلى حداثة انخراطهم في «العمل الإرهابي» نفسه. فهذه الفئة تنتمي إلى جيل قديم أو «موضة قديمة» إذا صح القول من «الإرهابيين»، الذين يشبهون آخر أجيال تنظيم «القاعدة». ذاك أن الارهابي الحديث، هو «الداعشي»، الذي يتصرف كسلطة، ويطبق الحدود في «دولته» التي يسعى إلى توسيعها وفرض قيمها على حيز جغرافي يستولي عليه، ونادراً ما يضحي بنفسه لتحقيق مراده.

وإذا كان الاعتداء الأخير الذي شهدته منطقة جبل محسن، فتح ملفات السجون في لبنان، وكشف مؤشرات الفقر المدقع في طرابلس تحديداً، فليس ما يوحي بأن العلاجات ستكون مجدية طالما أن هناك مقاربة واحدة للتعامل مع هذه الأزمة، وهي المقاربة الأمنية التي تقتصر على الاعتقال والتوقيف التعسفي وسوء المعاملة التي تعود كلها وتنفجر في أول فرصة. وهكذا، بالكاد برد دم ضحايا الجبل، حتى أعلن عن «خطة أمنية» محكمة، وتوافد السياسيون، وأبناء التبانة وفعاليات المنطقة لاجترار شعارات ممجوجة عن علاقات أخوة وود بين جيران- أعداء... ليس لها أي أثر على أرض الواقع.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.