.
.
.
.

المملكة العربية السعودية ومسارات التحديات والإنجازات

رضوان السيد

نشر في: آخر تحديث:

قال لنا الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، نحن الضيوف على جنادريته عام 2002 (وكان لا يزال وليا للعهد): «بعد فعلة أسامة بن لادن تغيرت وستتغير أمور كثيرة على العرب والمسلمين في الدين وفي السياسة»! وهذا الإحساس بالتحديات الجديدة هو ما شعرتُ به أيضا من الملك سلمان بن عبد العزيز، عندما ذهبتُ لموعد معه أواخر عام 2003، وكانت المناسبة إهداءه كتابا ترجمتُه عن صلاح الدين ونشرتْه دار نشر سعودية. وقد تبادل الأمير سلمان البالغ العلم والحساسية بالتاريخ ودلالاته الملاحظات مع المؤلّف الأميركي للكتاب. فصلاح الدين بدأ صعوده من تكريت، وصدّام مولود بقرية بجانب تكريت. وبعد ثلاث دقائق في تأمل هذه «المصادفة» انتقل أمير الرياض يومَها إلى الحاضر ملتفتا إليّ: «إن سقوط بغداد ستكون له آثار هائلة على الاستقرار بداخل العالم العربي، وعلى العلاقات والتوازنات مع دول الجوار»! وإذا أضفنا لذلك التحدي البارز الثالث والمتمثل بأحداث عام 2011 وعواقبها، نكون قد أحطنا بأبرز المتغيرات التي كان على العرب، وفي طليعتهم المملكة العربية السعودية، مواجهتها خلال السنوات الخمس عشرة الماضية. وبالطبع فإنّ هذه الأحداث أو الوقائع أو الواقعات ليست في عزلةٍ بعضها عن بعض، بل إن بينها ترابطا يكاد يكون سببيا. فابن لادن المنغمس في حرب أفغانستان ظهر لديه الوعي بتحدي «الطاغوت العالمي»، وزعامة «فسطاط الكفر» (!) بعد أن توهّم التأثير في انهيار الطغيان السوفياتي. والمحافظون الأميركيون الجدد (بزعامة بوش الابن التائب الإنجيلي المؤمن بالنبوءات مثل ريغان!)، أرادوا إعطاء العرب والعالم درسا بشأن الهيمنة بعد الانتصار في الحرب الباردة، مثلما فعلوا عندما هاجمتهم اليابان عام 1941 فعاقبوها بتجربة القنابل الذرية الأولى على أرضها! وانهيار العراق نتيجة الغزو تلته محاولات لتغيير هويته ومعنى موقعه الاستراتيجي، وبعملٍ أميركي / إيراني مشترك. والأميركيون الذين انتصروا للثورات والإسلام السياسي (2011 - 2013) توفقوا عن ذلك في سوريا، وأعطوها للروس والإيرانيين، فصعد «محور المقاومة»، الذي بلغ من إشعاعه الصاعق أنّ شعاراته ظهرت لدى الحوثيين على شواطئ البحر الأحمر والمحيط الهندي، وبالطبع لمناضلة إسرائيل وحسْب!

لقد كانت المعاناة عربية شاملة ولا تزال، لكنّ الأعباء تحملتها السعودية بمفردها على وجه التقريب. وإذا كانت بعض دول الخليج قد شاركت في مواجهة التحديات إلى جانب السعودية، فإنّ المبادرة ظلّت دائما بيد المملكة في عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز، رحمه الله. وعندما نقول إن الأعباء وقعت على عاتق المملكة ورجالاتها، فنحن نعني بذلك أنّ الإرهاب القاعدي بدأ يضرب في المملكة مباشرة وفي ديار عربية أخرى بعد ضرب الولايات المتحدة وبعض العواصم الأوروبية. وفيما عدا تنسيق غير كامل أو فعّال في مواجهة الإرهاب، فإنّ المملكة تكاد تكون قد اختلفت مع الولايات المتحدة في أشياء كثيرة في أيام بوش، وأيام أوباما: حول غزو العراق والسياسات المتبعة بعد الغزو - وحول السياسة الأميركية تجاه طهران، مثل منْحها دولا عربية، وإلى استماتتها إلى الآن في أرضائها (على حساب أهل المنطقة) لتجنب تهديدها النووي! - وحول السياسات تجاه لبنان والتسليم به لسوريا الأسد وإيران - وحول السياسات تجاه بشار الأسد، وإعطاء سوريا كمنطقة نفوذ لإيران وروسيا - وحول السياسة الأميركية تجاه حكم الإخوان بمصر - وحول السياسة الأميركية تجاه المفاوضات والسلام بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل بحيث ضاعت عشر سنوات أخرى في الخراب والحروب والتوطين!

إنّ العجيب والغريب أنّ السياسات الأميركية تجاه إسرائيل وتجاه إيران لم تتغير، رغم أنهما كانتا ولا تزالان سبب الاضطراب في المنطقة قبل الغزو الأميركي للعراق وبعده. ولا شكّ أنّ الإرهاب القاعدي والداعشي يأتي ثالثا بعدهما، لأن سياساتهما التدخلية وفي تخريب البلدان والعمران وقتل البشر هي بين علل ظهور التطرف والإرهاب أو استشرائه.

لقد عملت المملكة وأنجزت مع الدول الخليجية في شتى الملفات التي طرحتها التدخلات الأميركية والإيرانية والروسية والتركية بالمنطقة. وبسبب السياسات الحازمة والراعية أمكن لدائرة الاستقرار بالخليج أن تحفظ استقرار البحرين، وأن تستعيد مصر. وكادت المبادرة الخليجية أن تنجح باليمن، لولا تآمر الأطراف الداخلية بعضها على بعض، والتدخل الإيراني للمرة العاشرة! ولا أمل في نجاة اليمن في الأمد المنظور إلاّ بالعودة إلى ما بدأته السعودية وشقيقاتها وبذلت فيه، مثلما تبذل الآن في مصر وفي لبنان من أجل الدولة واستعادة الاستقرار والتماسك.
ولننظر في جانب آخر من جوانب الإجابة على التحديات، بل الإنجازات. لقد حدثت حركة تنموية هائلة ما عرفتها المملكة من قبل، باستخدام الموارد بطرائق مجدية. وقد أُنجزت جامعات جديدة نوعية، وظهرت الجامعات السعودية في السجلّ العالمي للمؤسسات العالمية المتقدمة. وجاء تأسيس مكتبة الملك عبد العزيز إنجازا كبيرا. أمّا الجنادرية فحدِّث ولا حرج، إذ ربطت كبار المثقفين العرب بالمملكة على مدى أكثر من ثلاثين عاما.

وما كافحت السعودية الإرهاب بالقوة وحسْب، بل دخلت في سياسات وبرامج للمناصحة والسكينة أيضا. وكان الملك الراحل من الشجاعة بحيث لم يكتفِ باستحثاث العالم على مكافحة الإرهاب، بل ولامَ العلماء، وطلب إلينا جميعا التصدي لحماية الدين، وحماية الدولة، من التطرف والتشرذم. ونحن نعرف أنه جمع العالم في جدّة حيث انطلقت الحملة على المتطرفين بسوريا والعراق.

وهناك إنجاز مهم نقدّره نحن الذين نتردد على الغرب حقّ قدْره، وهو مركز الملك عبد الله لحوار الأديان والثقافات. فقد أحدث المركز تواصلا مع سائر الأديان والثقافات في العالم، وتصدى بهذه الطريقة للتطرف وللإسلاموفوبيا في الوقت نفسه.

ما أمكن لطرف محترم أن يأخذ على السعودية موقفا من مواقفها في وجه القتل والتهجير والشرذمة. إنه التفوق الأخلاقي، وسياسات المبدأ والحكمة والتعقل. وبالطبع ليس بالوسع الذهاب إلى أن كل السياسات قد آتت أُكلها، أو أنّ هذا التصرف أو ذاك كان متلائما دائما مع المتطلبات أو كافيا. لكنّ المملكة ما تخلّت ولا تراجعت عن القيام بما تعتبره واجبا، وليس في الأعوام الأخيرة، بل على الدوام.

لقد كانت السنوات الخمس عشرة الأخيرة من أصعب السنوات في تاريخ العرب الحديث. ولا تزال العواصف تتفاعل، إيران وإسرائيل هائجتان، والولايات المتحدة الأوبامية حريصة على استرضائهما بكل سبيل. لكنّ وجوه الغموض قد زالت. كما تحددت المسارات. والسعودية التي قادت المرحلة ولا تزال، تعي المخاطر ولا تهابها، وفي زمن عبد الله بن عبد العزيز، كما في زمن سلمان بن عبد العزيز.

* نقلاً عن الشرق الأوسط

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.