المصرى الآخر!

عبد المنعم سعيد
عبد المنعم سعيد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

حدثنى عن ميدان التحرير. كانت هذه نقطة البداية لدى الصحفى الأمريكى الذى جاءنى فى أعقاب خروج الرئيس مبارك من السلطة، والأفراح التى جرت بعدها فى شوارع القاهرة. ولما أجبت بأننى لم أذهب إلى الميدان، بانت خيبة أمل واضحة على وجه الرجل، ولكنه استطرد مندهشا: «لكن جميع المصريين الذين قابلتهم قالوا جميعا إنهم لم يذهبوا إلى الميدان فقط، بل إنهم أمضوا فيه ثمانية عشر يوما حتى تمت الإطاحة بمبارك!». لم أشأ أن أكون سببا فى الانزعاج الكامل لصاحبنا، فقلت له إذا كنت مصمما على أن المصرى لا يكون كذلك إلا إذا حضر «التحرير»، فقد حضرته من مبنى صحيفة الأهرام فى شارع الجلاء، وهو ليس بعيدا عن الميدان، بل إنه قريب جدا من ميدان عبدالمنعم رياض الذى كان بشكل ما أحد روافد الاقتراب من تاريخ الثورة.
لم يكن المكان بعيدا، ولكن القصة كانت مختلفة، ففى الميدان اجتمع الثوار فى جمع ما لبث أن بلغ مئات الألوف، وقيل الملايين، كان الشباب فى المقدمة، وتبعهم الإخوان والأحزاب السياسية المختلفة، والجماعات والجمعيات المعروفة وغير المعروفة، ولكن المدهش كان ظهور جماعات من الحزب الوطنى الديمقراطى جاء من بينهم بعد ذلك رؤساء للوزارة ووزراء كان أهم شهاداتهم أنهم كانوا فى ميدان التحرير.
على بعد مئات الأمتار، أو ما يوازى كيلومترا واحدا، كان مشهد المظاهرات لا يوحى بنفس المنعة التى ظهرت فى الصور التليفزيونية للميدان، كان الأمر أقرب لتلك الحالة من الجماهير المصرية التى كانت تذهب إلى استاد القاهرة لمناصرة الفريق القومى من أجل الحصول على كأس الأمم الأفريقية. ولم يمض وقت طويل، أيام ربما، حتى بدأت الصورة تختلف، التوتر بات واضحا، وظهر أن جماعات من راكبى الدراجات البخارية ينطلقون فى سرعات خرافية تخترق الجمع ذهابا وإيابا، قيل بعدها إنها كانت لنقل الجرحى، وذكر أيضا أن هذه كانت شبكة اتصالات الإخوان المسلمين الرئيسية!.
أدركت مع مضى الأيام أن كلمة سلمية قد غابت عن القاموس الثورى، وجاءت المظاهرات مهددة مبنى الأهرام وواجهته الزجاجية، ووجد الزملاء طريقة للتعامل مع اللحظات الحرجة، عندما وقفت جماعة متخصصة تهتف الهتافات السائدة مع تقديم زجاجات المياه، فكان ذلك كافياً لكى تنجو المؤسسة من الغضب الشعبى.
كان الغضب شديدا، بل عارما، أو هكذا بدا فى تلك الليلة التى اقتحمت فيها جماعات من نوع ما مبنى مجمع محاكم الجلاء، وأخذت تسرق ما فيه، ثم أشعلت النيران فيه. كان مشهد ألسنة النيران فى مبنى عام محزنا بما فيه الكفاية، ولكن لسبب ما قررت جماعة أن هناك واجبا دينيا لديها أن تحرق المكان مرتين إضافيتين، وفى واحدة منهما جرى إطلاق الرصاص من داخل المجمع حتى أصابت رصاصة أحد العاملين فى قطاع التوزيع فى الأهرام، تطوع لكى يحمى مؤسسته، فلفظ أنفاسه قبل أن يصل المستشفى. قامت المؤسسة بواجبها، ولكن لا أدرى هل تم إدراج الضحية ضمن قوائم الشهداء، أم أنه احتسب رجلاً من رجال النظام المخلوع؟!
كانت الرسالة تحذيرية بأن أعرق صحيفة مصرية سوف تكون موضع الهجوم القادم، وقد كان، وهذه المرة كان الهجوم من الداخل. كيف جرى ذلك؟ ليس مهماً، ولكن المهم أن مصريا «آخر» كان يراقب المشهد التراجيدى لا يعرف، ما إذا كان سيقود الوطن إلى العلا أم إلى السقوط.
كانت الثورة عتية فتية، أعلامها ملونة، وأغانيها مشرقة، فى البداية جرى الاعتماد على تراث جيلنا الثورى من أغانى أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام، ولكن سرعان ما أنجب الثوار فنهم الخاص، بعضه كان غناء، وبعضه كان نكاتا. لم يكن ذلك فى ميدان التحرير فقط، أو حتى فى ميادين القاهرة فحسب، وإنما كان فى عشر محافظات كاملة. وكان ذلك مقابل سبع عشرة محافظة أخرى ظلت على صمتها، وحتى داخل القاهرة والإسكندرية فإن ملايين كاملة انكمشت داخلهما، بعضها تعاطف مع الثوار، فوضع الأعلام على النوافذ، ولكن نوافذ كثيرة للغاية ظلت مغلقة.
كان هناك مصرى «آخر» له رأى آخر فيما يجرى، بينما كان الجميع يتحدث عن الشعب وإرادته الغلّابة. ولكن هذا الشعب ذاته لم يشهد فقط احتراق مجمع محاكم الجلاء، لكن عشرات المحاكم والنيابات العامة، ومعها ٩٩ قسم بوليس فى ليلة واحدة كانت الثامن والعشرين من يناير. وفى بلاد أخرى، فإن المصرى «الآخر» يطلق عليه اسم الأغلبية الصامتة، أما فى مصر فقد شاع اللقب «حزب الكنبة». هؤلاء الذين جلسوا أمام الشاشة وبجانب المذياع يتساءلون عن مصيرهم ومستقبل بلادهم وأولادهم، بعد أن قامت القيامة أو أن مؤشراتها قد حلت.
والشعوب عادة ما تعبر عن نفسها بوسائل شتى، من بينها الثورة، ووجود الربيع فى قلب الشتاء، ولكن الصمت أحيانا أخرى يكون هو الاستجابة الوحيدة لواقع لم يعد واقعا بأى معنى. وكان أول اختبار متاح للمصرى الآخر هو التصويت على التعديلات الدستورية التى انقسم الثوار إزاءها، وتناقشوا حولها كثيرا وبحدة فى برامج التوك شو.
جاءت نتيجة التصويت لصالح التعديلات، ولكن من حضروا إلى صندوق الاختيار لم يتعدوا ٤١٪ ممن لهم حق التصويت. المصرى الآخر انشغل بأشياء أخرى، ولعله فى داخله كان يتوقع أنه لن تمضى أيام حتى يصدر إعلان دستورى يتجاور التعديلات الدستورية دون تصويت على الإطلاق، وبعدها سوف يكون دستور فى عام ٢٠١٢، وآخر بعد ذلك فى ٢٠١٤ توافق عليه أغلبية المصوتين، ولكن أغلبية جهاز الدولة لا تعترف به، لأنه لم يتحول بعد إلى قوانين. تكرر الأمر بعدها فى انتخابات تشريعية، ولم يتعد من شاركوا فى انتخابات مجلس الشورى ٨٪ ومع ذلك كان هو المجلس الذى انتهى إليه عمليا إصدار دستور ظل قائما حتى جاء دستور آخر فألغى المؤسسة بأكملها.
ربما لم يشعر «المصرى الآخر» بالعجب من مصر التى عرفها، كما كان الحال طوال السنوات الأربع الماضية، وبالتأكيد كانت هناك أشياء كثيرة عصية على الفهم فى نقاشات ومساجلات الثورة الأولى ثم الثورة الثانية، ثم ما بين الثورة الأولى والثانية. كان كل ما يريده أن تعود الدنيا إلى بساطتها الأولى، أو إذا كان لا بد من تعقيدها، فلا بد أن أحدا سوف يكون قادرا على شرح تلك الحالات المعقدة لبسطاء الناس.
هل تذكرون مسرحية «شاهد ما شفش حاجة» للعظيم عادل إمام الذى لم يكن يعرف لماذا جرى ما جرى له وعليه؟! هذه المرة فإن «المصرى الآخر» كان يشاهد كل شىء، ويعرف كل شىء، ولكنه لا يستطيع أن يربط النقاط ببعضها، فيعرف لماذا ينفعل الناس إلى هذه الدرجة، فيسقط «الشهداء»، ويسقط قتلى من فوق استاد لكرة القدم، وتشتعل العربات للشرطة، أو عربات وكفى. ما حالك يا وطن؟!

*نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.