.
.
.
.

ازرعوا فسائل الخير بدلًا من المتفجرات

ناجح ابراهيم

نشر في: آخر تحديث:

قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) «إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فاستطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها.. فله بذلك أجر».
لو لم يفقه المسلمون من أحاديث النبى، صلى الله عليه وسلم، سوى هذا الحديث لكفاهم.. ولو لم يعقلوا سواه لشفاهم من كل آفاتهم وأمراضهم وأهوائهم.
إنه درس عظيم فى «فقه الحياة الصالحة» وفلسفة «الإحياء» التى جاء من أجلها كل الرسل.. سواء بالإحياء المادى للكون والبدن أو الإحياء المعنوى للقلوب والنفوس بالهداية والرشد.. ولو كنت مكان الصحابة الذين استمعوا لهذا الحديث العظيم لتوقعت كل شىء ينصح به الرسول أتباعه على مر الأزمان إلا ذلك الذى قاله وأمر به.
لقد توقع السامعون أنه سيأمر فى هذا الوقت العصيب وهذه اللحظات الفارقة بكثرة الذكر والاستغفار والدعاء.. أو أن يأمر بنفض الأيدى من الدنيا وزراعتها وصناعتها وتعميرها وبنائها.. أو أن يأمر بالتحلل من الحياة بالكلية والذوبان فى لحظات الآخرة التى هلت أهوالها.. ولكنه (صلى الله عليه وسلم) بنظرته الواسعة والشاملة للدين والحياة دعا لشىء آخر لا يتوقعه أحد.. حيث دعا بغرس الفسيلة فى الأرض فى أعجب وأحرج لحظة فاصلة بين الدنيا والآخرة.
ترى ما قيمة هذا الغرس والجميع يعلم أن النخل يحتاج لسنوات حتى يثمر رطبًا جنيًا؟! وأى قيمة للغرس وأهوال القيامة ستجتاح الأخضر واليابس وتهدم السماوات والأرض؟!.
ولكن هذا النبى العظيم يعطى درسًا بالغًا فى «فقه الحياة الصالحة» و«فقه تعمير الكون» وفقه «الإحياء».. وليغسل دوما أدمغة بعض الدعاة الفاشلين البائسين الذين لا يعلمون الناس إلا فقه الموت فى غير ميدان ودون جدوى.. أو يربونهم على «فقه التكفير والتفجير» أو فقه حشر الآلاف إلى القبور أو السجون دون أن يقدموا لأنفسهم وأوطانهم وإسلامهم شيئا يذكر فى مقابل هذه التضحيات الجسيمة.
إنه يدعو فى أحرج اللحظات للبناء لا الهدم وللعمران لا التفجير وللحياة الصالحة الهانئة المستبشرة المتمتعة بالمباح الذى يطيب الحياة والممتنعة عن كل محرم ينغص الحياة ويسوؤها.
إنه يربط بين الدنيا والآخرة وبين الدين والحياة والعمل والعبادة.. وعمارة الأرض ووراثة الجنة.. ولا يقيم كغيره من خصوم الدين والحياة فصاما نكدا بائسا يائسا بين الأرض والسماء وبين النص والعقل والعلم والدين ورغبات الجسد المشروعة وسمو الروح المحلقة نحو الملأ الأعلى.. إنه يريد للخالق والكون والخلق أن يتناغموا ويتطابقوا.
ترى لو أن أحدًا من دعاة التكفير أو التفجير أو هواة الصراع السياسى وإقصاء الآخر وهدمه وتخوينه كان فى مكان الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو فى مثل هذا الموضع لقال:
إذا قامت القيامة وفى يد أحدكم قنبلة فليفجرها فى بنى وطنه ودينه.
وإذا قامت ومعه مولوتوف فليحرق به أقرب ترام ليحرم البسطاء من مواطنيه والغلابة من جيرانه من ركوب أرخص مواصلة فى مصر ثمن تذكرتها لكل الخط 25 قرشا.
إذا قامت القيامة ومع أحدكم طلقة خرطوش فليضربها فى متظاهر أو معارض.
إذا قامت القيامة ومع أحدكم مجموعة من الشباب المتحمس فليذهب بهم إلى أقرب قسم شرطة أو محول كهرباء فليحرقه أو يفجره أو قضبان قطار فليخلعها قبل فوات الأوطان.
إن أمثال هؤلاء لم يتعلموا شيئا من رسالة الأنبياء الذين ظلوا جميعًا مشغولين بفقه الإحياء المادى والمعنوى لا قتلهم.. وهداية الخلائق لا تكفيرهم.. وبزرع فسائل الخير لا زرع المتفجرات والعبوات الناسفة وبالإصلاح بين الناس لا شحن بعضهم على بعض عبر صور الدماء والأشلاء على الشاشات.
الأنبياء جاءوا رحمة للعالمين وبعض أتباعهم جاء كارثة على العالمين.. أو مفجرًا أو ساجنًا أو مدمرًا أو ذابحًا للعالمين.
فهل حملنا الفسيلة أو زرعناها ليأكل من بعدنا كما أكلنا نحن ممن زرع من قبلنا؟!
وهل صنعنا الحياة الجميلة الصالحة التى تموج بالحب الصادق.. أم أن بعضنا يزرع الموت لخصومه السياسيين فى كل مكان؟!

*نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.