.
.
.
.

الشيخ الإماراتي.. والوزير الكوري!

سليمان جودة

نشر في: آخر تحديث:

عندى عدة أسباب جعلتنى أترقب مُسبقاً ما سوف يقوله «هوانج ووى» وزير التعليم فى كوريا الجنوبية، خلال كلمة له ألقاها فى القمة الحكومية الثالثة المنعقدة حالياً فى دبى.

أول الأسباب، أنه يحلو لكثيرين أن يقارنوا بيننا وبين كوريا، وكيف أننا كنا معاً، ذات يوم، نقف على أرض واحدة، ولم يكن ذلك فى وقت بعيد، على كل حال، وإنما كان فى مطلع ستينيات القرن الماضى، فإذا بهم الآن، حيث هم، وإذا بنا نحن، حيث نقف!. فما الذى جرى بالضبط وكيف يمكن أن نتدارك أسباب الفجوة وبسرعة؟!

والسبب الثانى، أنه ما من مرة جاء فيها كلام عن سر ارتقائهم بهذه الصورة المدهشة، إلا وكان التعليم هو المبتدأ، وهو المنتهى، فهو لا غيره الذى ارتفع بهم، وهو أيضاً لا غيره أبداً، هو الذى هبط بنا!

وثالث الأسباب، أن هذه القمة الحكومية التى وقف الوزير الكورى متحدثاً فيها، تنعقد للمرة الثالثة، وأمامها هدف واحد، تبحث فى كل انعقاد جديد عن أسرع السُّبل للوصول إليه.. الهدف هو: كيف يكون المواطن أسعد حالاً مما هو عليه؟! ثم كيف يكون الدور الأهم فى تحقيق هذه السعادة فى حياته، واقعاً على الحكومة دون سواها؟!.. وماذا عليها أن تفعل لمواطنيها؟!

قبل أن يتحدث الوزير الكورى، كان الشيخ محمد بن زايد، ولىّ عهد أبوظبى، قد سبقه فى الطريق ذاته، حين قال أمام القمة نفسها، إنهم فى دولة الإمارات يجعلون من الاستثمار فى التعليم أولوية أولى، لا تنافسها أولوية أخرى، لأنهم على يقين من أن استثماراً كهذا ليس مهماً، وفقط، وليس ضرورة وفقط، وليس حقيقة عصرية وفقط، وإنما لأنهم متأكدون من أنه هو البديل الآمن لنضوب النفط، حين يأتى وقت نضوبه.

ولابد أن الشيخ محمد ليس هو أول مسؤول خليجى كبير يدرك هذه الحقيقة، ثم يذهب إليها من أقصر طريق، فمن قبل أدركت السعودية ذلك جيداً، فأرسلت 15 ألف طالب يدرسون حالياً فى أرقى جامعات الدنيا، وعندما أنشأ الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز، يرحمه الله، مدينته الشهيرة للعلوم، فى أعقاب مجيئه إلى الحكم مباشرة، قال إن فكرة المدينة ظلت تراوده 25 عاماً كاملة، وإنه عاش زمناً على أمل أن يحوّل الفكرة التى فى رأسه، إلى كيان حى على الأرض، وهو ما كان!

الوزير الكورى، من ناحيته، كان وهو يتكلم يعزف اللحن نفسه، وراح فى كل كلمة ينطق بها، ينبه كل حاضر يسمعه إلى أن بلاده إذا كان لها موقع فى الوقت الحالى، بين الأمم ذات الشأن، فإن ذلك يرجع إلى شيئين من بين أشياء كثيرة أولها أن الأسرة الكورية تنظر إلى التعليم لأبنائها باعتباره واجباً مقدساً، لا مجال للنقاش فيه، ولا للمساومة حوله. وثانى الشيئين أن الحكومة من جانبها تبادل الأسرة نظرتها، وترى أن حصول كل مواطن كورى على تعليم عصرى، إنما هو حق مكتسب لا كلام فيه!

وقد ظلت حكومته تطوّر، على حد تعبيره، فى نظرتها إلى هذا الحق، حتى إنها تفكر الآن فى «مدارس بلا امتحانات» لعل الطالب يتفرغ لما هو أهم من فكرة الامتحان، وهو الابتكار، والإبداع، والتطوير المستمر!

وإذا كنا نتكلم دوماً فى مصر عن أن التعليم هو مدرسة ومنهج مقرر ومدرس، فالوزير الكورى يرى «المدرّس المؤهل» هو العنصر الأهم فى هذه العناصر الثلاثة، فبدونه لا ضمان لتعليم حقيقى، ولذلك فإن تخريج هذه النوعية من المدرسين، يمثل هماً لهم وشاغلاً على الدوام!.. فأين نحن من هذا كله؟! إنه سؤال لابد أن يظل يؤرق كل واحد فينا، ثم مسؤولينا أكثر!

* نقلا عن صحيفة "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.