.
.
.
.

حماية الثقة بين الحكومات والجمهور في وقت الأزمات

الشيخ سلطان بن أحمد القاسمي

نشر في: آخر تحديث:

المتابع للأحداث الدولية والمحلية، يدرك أن مصطلح الفقاعة الذي رافق معظم تحليلات وتفسيرات الأزمة المالية السابقة، ليس حكرا على المنظومة الإقتصادية فقط، فهناك الفقاعات الإعلامية التي لا تقل عنها خطورة بل قد تفوقها في قدراتها التخريبية لأنها تمس بشكل مباشر الوجدان البشري لترويضه وإعادة صياغته بما يخدم أهداف مطلقيها .

وتعتمد الفقاعات الإعلامية في صياغة الرواية وتوصيف الأحداث على نشر معلومات مضللة تستهدف آراء مجموعات كبيرة من الناس، وذلك باستغلال المشاعروالعواطف والمعتقدات السياسية والقومية ،أو ما يعرف إصطلاحاً بكلمة "البروباغاندا" ، كون البروباغاندا تسعى إلى تحييد المنطق والعقل والتركيز على المشاعر.

ويقول علماء النفس عن أسباب نجاح البروباغندا " إنها موظفة لمداعبة أحلام الناس وحاجاتهم المحرومين منها وتقدم لهم حلولا آنية ووهمية، لهذا تلاقي رواجا في بداياتها ولكنها لا تلبث أن تنكشف مع مرور الوقت".

والإنسان بطبعه يميل في أوقات الشدة إلى تصديق ما يفتح له أبواباً من الأمل حتى لو كانت أبوابا خادعة، لكنه في النهاية لن يسامح من تلاعب بأحلامه واستغلها لتحقيق مآربه وأهدافه.

وبطبيعة الحال، يزداد تأثير الدعاية الإعلامية المبنية على الوعود الخادعة في فترة الأزمات واشتدادها، عندما تضيق الأرض بساكنيها ويصبح همهم الوحيد البحث عن أي بصيص يقدم لهم الأمل بحلٍ قريب، مما يجعل من الجمهور في هذه الحالة متلقياً سهلا.

والمتابع يدرك أيضاً أن الدعاية المبنية على العاطفة والتي تستخدم الوعود الواهية، أو كما أسميناها في البداية "الفقاعات الإعلامية"، لا بد من أن تنفجر في وجه صانعيها في نهاية الأمر ، فكلما تضخمت كانت نهايتها أقرب، وكلما أصبحت أكثر ضعفا أمام الحقيقة التي إذا لامستها فجرتها وكشفت كم هي زائفة وفارغة.

في عهد الإعلام الإلكتروني بات عمر الخدعة أقصر مما كان عليه في عهد الإعلام الكلاسيكي . الحقائق اليوم متاحة للجميع، والجمهور يقرأ ويتابع ويحلل ويناقش على وسائل التواصل الإجتماعي كل تفصيلة تقع بين يديه، وأصبح قادرا ليس فقط على اكتشاف الخدعة الإعلامية، بل ومحاسبة مروجيها مهما كانت صفاتهم ومراكزهم، وإن إختلفت طبيعة الحساب باختلاف صفة الجهة المروجة، فإذا كانت حكومة، ضعف استقرارها وقصرت مدة وجودها على سدة الحكم، وإذا كانت وسيلة إعلامية، فقدت مصداقيتها وأهليتها وانفض الناس عنها.

نستطيع القول بكل ثقة، إن ثبات وعمر الحكومة أو أي منطمة أخرى سياسية كانت أو اقتصادية، يساوي تماماً ثبات وعمر روايتها حول الأحداث المصيرية وبشكل خاص تلك التي تمس جوهر مصالح الناس.

وبصياغة أخرى، إن مكانة أي دولة بمؤسساتها كافة وفي مقدمتها منظومة الاتصال الحكومي، مرتبطة شرطيا بمقدار ثقة جمهورها بخطابها وروايتها حول ما يدور من أحداث. هذه الثقة إذا تزعزعت مرة، يصبح من الصعب إعادة ترميمها لأنها ستحرك في الوجدان البشري كل مشاعر الشك والتوجس وستنسحب هذه المشاعر على مجمل الخطاب الحكومي وحتى في أجزائه الصادقة.

لقد برهنت تداعيات الأزمة الاقتصادية الأخيرة على صحة القواعد النظرية في العمل الإعلامي. فبعد أن أطاحت الأزمة بأحلام ومكتسبات عشرات الملايين من البشر في أوروبا وأميركا وآسيا، ووضعت أمنهم المالي ومستقبل أولادهم على مدارج رياح الأزمة العاتية، لم تقم بعض الحكومات إلا بصياغة جملة من الخطابات والروايات الإعلامية وفي مقدمتها الدعوة إلى التقشف وشد الأحزمة والصبر الذي لم يقل أحد للملايين ماذا سيكون آخره.

إن عزوف حكومات الاتحاد الأوروبي بشكل خاص عن تفسير الأزمة ومسبباتها وآليات الخروج منها للجماهيرالمتعطشة لمعرفة مصيرها، دفع هذه الجماهير الى الشوارع، خصوصا عندما لمست وشاهدت كيف استكملت الأزمة تداعياتها بالرغم من سياسات التقشف وشد الأحزمة.

وعندما لجأت هذه الحكومات إلى الخطاب المليء بالشعارات الحماسية واللغة العاطفية للحد من الاحتقان والغضب، واصلت الشعوب رفضها وتمردها بوتيرة أعلى، خصوصا أنها لم تلمس تغييرات حقيقة على الأرض تبرهن على صحة ودقة الخطاب الحكومي، وبدأت تشعر أن هذه الخطب والشعارات ليست سوى وسيلة لاستغلال مشاعرها الاجتماعية والوطنية، فجاءت مفاعيلها معاكسة تماما لما أرادته الحكومات، لأن الشعوب تدرك وتعلم من خلال متابعتها الحثيثة للحالة الاقتصادية والاجتماعية في بلدانها أنها ذاهبة بالاتجاه الأسوء.

وكانت النتيجة تلك الاحداث المؤسفة التي شهدناها في شوارع بروكسيل وأثينا بعد أن ثبت بالتجربة الحية أن سياسات التقشف ليست ناجحة، وتسببت في تصعيد الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، ولم تراع مستقبل الأجيال القادمة ولم تشجع على الاستثمار والنمو المستدام الذي يخلق وظائف برواتب لائقة. الأمر الذي وضع الخطاب الإعلامي الرسمي في مواجهة هذه الجماهير التي تنشد إصلاحات أكثر عدالة وفاعلية.

ويعتبر فوز حزب "سيريزا" اليوناني في الانتخابات الأخيرة، هزيمة لوعود وخطاب الحكومة السابقة ، ويبرهن مرة أخرى بأن الجماهير حليف من يقدم لها وعوداً مغايرة للوعود السابقة التي لم تتحقق.

رب من يسأل، ما هو المطلوب من الحكومات عمله في وقت الأزمات خصوصاً على صعيد خطابها الإعلامي؟.

والجواب بكل بساطة، إن هذا العصر، عصر ثورات العلوم والتكنولوجيا، هو عصر سيادة العقل الناقد والمفكر الذي لا يجوز بل لا يمكن خداعه. وإن الحقيقة من حيث المبدأ يجب أن تعلو على أي اعتبار، وإن المجتمعات الحضارية والثقافية، لا تخاف الحقيقة و نشر المعلومة الصادقة كما هي بل ترتكز عليها لتتخطى أزماتها ومآسيها حتى في أشد وأصعب اللحظات.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.