.
.
.
.

فى مسألة عودة الزمان!

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

ارتجت مصر مرتين خلال الأسبوع الماضى: مرة عندما أعلن المهندس أحمد عز، أمين التنظيم فى الحزب الوطنى الديمقراطى السابق، عن ترشحه لمجلس النواب؛ ومرة عندما قتل ١٩، وقيل٢٢، مصريا مع عشرات الجرحى فى أحداث مباراة رياضية فى استاد الدفاع الجوى. حزن الناس على من سقطوا صرعى، وتساءلوا عما إذا كانت هناك ضرورة لكى يترشح رمز من رموز النظام السابق، وهل يعنى ذلك عودة إلى أزمنة سابقة؟. المؤكد أن الأزمنة السابقة لا تعود أبدا، لا الأزمنة الشريرة السابقة، ولا الأيام الطيبة الأولى؛ ألم تقل أم كلثوم مستنكرة وطارحة استحالة الشرط عندما غنت للحبيب أنه إذا أراد العودة إلى ما مضى فعليه أن يقول للزمان «ارجع يا زمان». لا تعود الأزمنة لأن التغيير هو سنّة الكون، ومصر ليست استثناء، وقد تغيرت مصر، وقيل إنها أخرجت أفضل ما فيها، وأسوأ ما فيها، ولكن النتيجة والحصاد سوف يظل معلقا منتظرا حكم التاريخ. خلال العمر الذى عشته، لم أشاهد ملايين المصريين يخرجون فى ثورات متتابعة، وكذلك لم أشاهد مثيلا لقتل مصريين عن طريق مصريين آخرين، ومهما بلغ بى جنون الأفكار وأشدها ذعرا، فإن الخيال لم يصل إلى أن تلقى جماعة مصرية جماعات أخرى من فوق أسوار استاد بورسعيد، أو تدوس رقابها عند استاد الدفاع الجوى بالقاهرة.

كنت مع كثرة آخرين ممن نصحوا المهندس أحمد عز بعدم الترشح لمجلس النواب، لأسباب ذكرها كل من تحدث، وقد أشار إلى ما جاءه من نصائح فى بيانه للدخول إلى الساحة السياسية، إلا أن الرجل أخذ قراره على أية حال لأسباب أخرى عددها. لكن المدهش من ناحية أخرى فى ترشحه كان رد الفعل المذعور فى وسائل إعلامية مختلفة والذى كان عنوانه «عودة النظام القديم»، وكأنه من الممكن للزمان أن يعود مرة أخرى. لقد تغيرت مصر بطريقة متسارعة خلال السنوات الأربع الماضية، ربما كما لم تتغير بنفس السرعة خلال العصر الحديث بأكمله. هل كان ذلك إلى الأفضل أو إلى الأسوأ، فإن المرجح أن ذلك لايزال جاريا فى عملية ثورية بدأت ولم تنته بعد؛ ولايزال «المحلفون» - كما يقال فى المثل الإنجليزى - فى خارج القاعة، ولم يحل حكم محكمة. وعلى أية حال فإن الأفضل والأسوأ سوف يتوقف على ما نفعله، أو لا نفعله، الآن وليس غدا. أحمد عز فى النهاية فرد من المصريين بقدر ما أتيح له من نفوذ فى الماضى، فإنه دخل فى دائرة اختبار هائلة للتعامل مع السجن، والتحقيق، والمحاكمة؛ انتهى بعضها، وبعضها الآخر لايزال جاريا. أمر واحد مستمر للرجل وهو إنتاج الحديد والصلب قبل وبعد وأثناء تواجده فى السجن حينما استمرت مصانعه فى العمل والتشغيل والتصدير.

ولكن لا عودة المهندس أحمد عز، ولا حادث استاد الدفاع الجوى، ينبغى له أن يوقف ما نحن بصدده: كيف نجعل الحاضر أفضل، والمستقبل أكثر إشراقا؟ ولا يمكن أن نحقق هذا أو ذاك ما لم نستيقظ من هول إمكانية عودة الماضى، وفجيعة التعامل مع واقع مرهق، ونتعرف أكثر على ما جرى فى مصر من تغيرات خلال عصر الثورات والتغيرات العميقة. وبصراحة لا داعى للهروب من المسؤوليات الكبرى التى واجهت مصر من أول الإصلاح الدينى، ودحر الإرهاب، وحتى التنمية والعودة إلى حياة طبيعية تضع كل التطورات التى نواجهها فى حجمها الصحيح، بلا مبالغات، ولا تشنجات ولا «شماعات» توضع فوقها خيبات ثقيلة.

* نقلا عن صحيفة "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.