.
.
.
.

متشدّدو لبنان "داعش" أم "نصرة"؟

سركيس نعوم

نشر في: آخر تحديث:

تفيد معلومات باحث ومحلّل عربي في مركز أبحاث أميركي، بعد دراسة ميدانية جدّية، أن "جبهة النصرة" هي الأكثر وجوداً ونفوذاً وربما سيطرة، في منطقة القلمون السورية التي حاولت قوات النظام السوري استعادتها من الثوار المتنوعين في خريف عام 2013. والسوريون كما اللبنانيون وغيرهم يعرفون مصير المحاولة السورية النظامية. فبعد إعلان النصر شبه النهائي تبيّن للمتابعين أن المقاتلين والثوار، وغالبيتهم من الإسلاميين المتشدّدين، أن المعركة لم تنته. فوجد النظام نفسه مضطراً إلى الإعلان عن معركة ثانية في القلمون لإنجاز تطهيرها من الارهاب وممارسيه، وإلى بدئها. لكن نتيجتها لم تكن أفضل من نتيجة الأولى على رغم عدد من المكاسب التي حقّقتها للنظام. وراح البعض من المعادين له ولرأسه ورئيسه بشار الأسد يتندَّر بأن معركة ثالثة في المنطقة نفسها ستجرى، إلا أن نتائجها لن تكون حاسمة بدورها، الأمر الذي يبقيها ساحة كرّ وفرّ بين النظام والثائرين عليه.

طبعاً لم يوقع ذلك الأسد في الإحباط على رغم عدم نجاحه في إنهاء الثورة بعد إسهامه في تحوّلها مسلّحة. ذلك أنه يقاتل بواسطة قسم من جيش نظامي يدين له بولاء مطلق لأسباب متنوعة، كما بواسطة ميليشيات سورية فئوية أسّستها ودرّبتها إيران، وأخرى لبنانية وعراقية ومن جنسيات أخرى، يكاد بعضها أن يتفوّق في قدرته على "النظاميّين" وغيرهم بسبب طول خبرته ومراسه ونجاحه في خوض حروب العصابات والحروب الكلاسيكية. فضلاً عن أنه يتمتّع بدعم مباشر سياسي وعسكري ومالي من الجمهورية الإسلامية في إيران ومن روسيا فلاديمير بوتين. إلا أنه قد يكون دفعه الى الاقتناع بضرورة الانتقال من الخطة "أ" التي تهدف إلى الانتصار التام على الثوار المتنوعين إلى الخطة "ب" التي تقضي بالمحافظة على منطقة سيطرته وأهمها العاصمة دمشق، والاستمرار في محاولة توسيعها في كل الاتجاهات. علماً أن الانتقال لا يعني الامتناع عن توجيه ضربات عسكرية إلى "الارهابيين"، كما يسمّيهم، سواء بواسطة جيشه وميليشياته أو عبر تسهيل أو عدم اعتراض، الاشتباكات المسلّحة بين فصائلهم ومنظماتهم بسبب الصراع على السلطة والنفوذ.

انطلاقاً من هذا الواقع يرى الباحث نفسه أن التنظيم الأكثر سيطرة ونفوذاً في منطقة القلمون، وهي محاذية للبنان من جهة البقاع، هو "جبهة النصرة" لا الدولة الإسلامية ("داعش") التي حقّقت انتصارات مهمة عسكرية استغلّتها لتأمين موارد مالية ثابتة مهمة لها، ولاستعمال هذه الموارد في اجتذاب مقاتلين إلى صفوفها، احياناً ألوية وفرقاً بكاملها. ويرى أيضاً أن وجودها الجغرافي على حدود لبنان وفّر لها تعاطفاً مع سنّة لبنانيين متشدّدين أثمر دعماً لها لوجستياً وعسكرياً وغذائياً.

هل يساعد الوضع القوي أو الأقوى لـ"النصرة" على حدود لبنان الشرقية مع سوريا في إيجاد حل للعسكريين اللبنانيين المأسورين في اعقاب معركة عرسال الأولى قبل أشهر؟

يعتقد الباحث وغيره أن "النصرة" تبدي استعداداً للتوصل إلى اتفاق حول هذا الموضوع، من خلال "رسائل" غير علنية طبعاً وجِّهت إلى صانعي القرار اللبناني وقيادة الجيش، يتم بموجبه الإفراج عن "العسكر " في مقابل الحصول على المؤن الطبيّة والغذائية، وأيضاً في مقابل المرور الآمن لمقاتليها إلى المنطقة الحدودية السورية – اللبنانية. ويعتقد أيضاً أن أحد أسباب "التساهل" هذا هو إنهاء الدولة اللبنانية "إمارة سجن رومية" الإسلامية ومصادرة كل محتوياتها، والإفادة من الأخيرة لكشف الكثير من الإرهابيين والمخططات وإنهاء آمال مقايضة قادة "الإمارة" بالعسكر.

أين أصبحت الاتصالات مع "النصرة" لإطلاق العسكريين اللبنانيين؟ لا أحد يعرف لأنها محاطة بالسرية والكتمان، يجيب العارفون. لكنهم يلفتون إلى أن تحوّل أمراء سجن رومية سجناء عاديين لا يلغي شرط استعادتهم في مقابل الإفراج عن العسكريين المذكورين. فضلاً عن أن في سجون لبنان محكومين وموقوفين قيد التحقيق تعتبرهم "النصرة" مهمّين لها وقد تطالب باطلاقهم أو إطلاق بعضهم. وفضلاً ايضاً عن أن "العسكريين" ليسوا كلهم عند "النصرة"، الا أن هذا الموضوع على أهميته يجب أن لا يحجب موضوعاً آخر أكثر اهمية ربما هو أن الحرب المستمرة بين "داعش" و"النصرة" وحربهما مع النظام السوري قد يشعل حرباً بينهما وبين لبنان لا يعرف أحد في أي اتجاه يمكن أن تتطور. علماً أن اسرائيل الواقفة بالمرصاد قد تعمد إلى صب الزيت على النار لتحويل لبنان أو بعضه كرة مشتعلة.

* نقلا عن "النهار" اللبنانية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.