.
.
.
.

معضلة الحرب البرية على "داعش"

مكرم محمد أحمد

نشر في: آخر تحديث:

يزال غياب قوة برية تقدر على إزاحة «داعش» من المواقع العديدة التى تسيطر عليها فى العراق وسوريا، يشكل الذريعة الأساسية للرئيس الأمريكى أوباما التى تبرر له غياب القدرة على حسم المعركة، وتفكيك قبضة «داعش» على هذه المساحات الشاسعة التى لا تزال تحتلها فى كل من سوريا والعراق! ولا يبدو واضحاً فى إطار التفويض الجديد الذى طلب الرئيس الأمريكى أخيراً إقراره من الكونجرس، أن هذه المشكلة سوف تجد حلاً فى المستقبل القريب، لأن الرئيس أوباما رغم أنه طلب تفويضاً واسعاً يعطيه الحق فى استخدام القوات الأمريكية فى الحرب على «داعش» لثلاثة أعوام مقبلة وفى نطاق جغرافى أوسع من مساحة العراق وسوريا، يصر فى طلب التفويض على التزامه بعدم استخدام قوات برية أمريكية فى حرب مستمرة ضد «داعش»!، وإن كان قد استثنى من ذلك بعض المهام المحدّدة، مثل تكليف القوة الأمريكية الموجودة فى العراق لمهام التدريب والتخطيط بعملية إنقاذ لأى من طيارى التحالف الدولى يجد نفسه مضطراً للقفز من طائرته، والواضح من صيغة التفويض وبنوده أن «أوباما» لا يريد توسيع نطاق العمليات العسكرية الأرضية ضد «داعش»، اعتماداً على قوات برية أمريكية، بدعوى أن القوات المحلية العراقية والسورية والأردنية والمصرية أولى بهذه المهام، لأنها الأكثر دراية بطبيعة الأرض التى سوف تحارب عليها، ولأن الموقف يتطلب من القوات الوطنية المحلية الاشتراك الجاد فى الحرب على «داعش»، بحيث تقتصر مهمة قوات التحالف الدولى على تعزيز عمل هذه القوات من خلال عمليات القصف الجوى دون الاشتراك فى معارك أرضية!

ولا أظن أن «أوباما» يجهل أن القوات العراقية لا تزال غير قادرة على خوض حرب برية مستمرة باتساع المناطق التى يحتلها «داعش» فى العراق، لأن الجيش العراقى منذ أن تعرض للتفكيك والتسريح بعد الغزو الأمريكى للعراق لم يتمكن بعد من استعادة لياقته العسكرية، رغم مليارات الدولارات التى أنفقت على إعادة بنائه!، ولا يزال يعانى من القسمة الطائفية بين السنة والشيعة التى تهدده بالانقسام!، فضلاً عن أنه لا يملك بعد سلاحاً جوياً قادرا!، ويعانى من نقص شديد فى التسليح بسبب بطء الإدارة الأمريكية شبه المتعمّد كى يبقى اعتماد العراق الأكبر على القوة الأمريكية لأبعد فترة زمنية ممكنة!

وباستثناء البشمركة الكردية فى كردستان العراق التى تتميز بالانضباط وحسن التدريب، يصعب أن نتحدث عن قوات عسكرية جاهزة فى العراق للحرب على «داعش»، رغم أن فرص تحرير مدينة الموصل من أيدى قوات «داعش» تبدو جد عالية، إذا حدث تحالف حقيقى بين الجيش العراقى والبشمركة الكردية وفرق الحرس الوطنى من عشائر السنة، خاصة بعد هزيمة «داعش» فى محافظة ديالى، ونجاح تحالف الجيش والميليشيات الشعبية فى طرد قواتها خارج جميع أرجاء المحافظة فى عملية ناجحة، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن «داعش» ليس القوة التى لا تقهر.

وفى سوريا، رغم وجود جيش لا يزال يحافظ على وحدته، يحارب بؤر الإرهاب المتعدّدة على مدار السنوات الأربع الماضية ويعطى ولاءه للرئيس بشار الأسد، فإن المهمة الأساسية للجيش السورى الآن هى حماية العاصمة السورية دمشق، مقر الحكم، وملاحقة قوات المتمردين الموجودة فى مناطق الغوطة القريبة من العاصمة وتشكل خطراً حالاً على أمنها، ومنع قوات «داعش» والمنظمات الإرهابية المتحالفة معه من الاستيلاء على كامل مدينة حلب فى الشمال، وتعزيز الوجود العسكرى السورى فى منطقة حمص بعد إجلاء قوات المتمردين عن المدينة، فضلاً عن عدم حماس واشنطن للتنسيق مع الجيش السورى الذى يخضع لأوامر بشار الأسد، رغم اعتراف الغرب أخيراً بأن ضرورات التسوية السلمية للأزمة السورية تفرض أن يكون بشار الأسد جزءاً من التسوية والحل!

وربما يكون المقاتلون الأكراد هم القوة العسكرية الجاهزة فى سوريا للحرب على «داعش»، بعد أن نجحوا فى إجلاء قوات «داعش» عن مدينة كوبانى (عين العرب)، ومطاردة قواتها خارج القرى الكردية المحيطة بكوبانى لضمان تأمين المدينة، لكن مشكلة المقاتلين الأكراد، أن الرئيس التركى رجب الطيب أردوغان لا يحبهم، ولا يريد لهم المزيد من القوة كى لا يشكلوا فى المستقبل القريب درعاً تساند مطالب أكراد تركيا فى نوع من الحكم الذاتى يماثل حكم كردستان فى شمال العراق!

وثمة تكهنات تزداد الآن رواجاً تتحدث عن دور مرتقب للأردن، يجعل منه قاعدة الارتكاز لحملة برية تنهض بها قوات الجيش الأردنى يساندها قصف جوى شامل تقوم به طائرات قوات التحالف الدولى التى يمكن أن تجد فى الأردن قاعدة انطلاق لتدمير مواقع «داعش» فى صحراء الشام، وأغلبها مكشوف دون حماية جوية يسهل تحديده وتدميره، خاصة أن «داعش» لا يملك قوة طيران، كما أن دفاعاته الجوية ضعيفة لا تستطيع أن تصد طائرات التحالف الدولى، وما يساعد على ترويج هذا الاحتمال اللهجة القوية التى يتحدث بها الملك عبدالله عاهل الأردن بعد إعدام الطيار الأردنى معاذ الكساسبة، حرقاً فى قفص مغلق، وحرصه الواضح على ارتداء الزى العسكرى، فى إشارة إلى رغبته وعزمه على الانتقام، وانتشار أخبار غير مؤكدة عن اشتراكه كطيار فى إحدى عمليات القصف الجوى لمواقع «داعش» فى محافظة الرقة السورية التى اختارها زعيم «داعش» مقراً لخلافته الإسلامية، لكن ما يقلل من فرص نجاح هذا الاحتمال صعوبة أن يتحمل الأردن وحده عبء حرب برية تزحف فيها قوات الأردن على أراضى سوريا لإجلاء «داعش» من محافظة الرقة، فى ظل غياب جسور الثقة المشتركة ما بين الأردن وسوريا التى تتهم قوات الجيش الأردنى بالعمل ضد نظام بشار الأسد فى مناطق الجنوب، خاصة محافظة درعا!، فضلاً عن الوجود القوى لجماعة الإخوان المسلمين داخل الأردن الذى لن يكون بالضرورة عاملاً مساعداً على نجاح مثل هذه الخطة!

وقد لا يبقى من جميع هذه الاحتمالات على سبيل الحصر سوى القوات المسلحة المصرية المثقلة بأعباء مواجهة تنظيم أنصار بيت المقدس فى سيناء فى حرب حاسمة يتحتم كسبها، تخسر فيها جماعات الإرهاب، التى أعلنت ولاءها أخيراً لـ«داعش» كل يوم، المزيد من المقاتلين والمزيد من المواقع، فى ظل وجود عسكرى وأمنى ملحوظ يغطى، على نحو كثيف، المسافة بين العريش ورفح، واستمرار عملية توسيع المنطقة العازلة إلى عمق كيلومتر التى حرمت جماعات الإرهاب من فرص المناورة، واستخدام الأنفاق هرباً إلى قطاع غزة بعد ارتكاب جرائمهم، كما زادت من مصاعب حصول هذه الجماعات على المؤن والأسلحة، وفضلاً عن ذلك تضطلع القوات المسلحة المصرية بدور مهم فى الحفاظ على الأمن الداخلى، وتأمين المنشآت الحيوية والاستراتيجية من تآمر جماعة الإخوان المسلمين، وحراسة الجبهة الغربية على حدود ليبيا، حيث وقعت المجزرة الأخيرة التى استهدفت 21 مواطناً مصرياً قبطياً تم ذبحهم فى شريط مصور لجريمة قبيحة تؤكد حرص «داعش» على تدمير الدولة المصرية، وإهانة قيادتها وشعبها وجيشها، كما تؤكد خطورة سيطرة «داعش» على ليبيا، كى تصبح خنجراً مسموماً يضرب خاصرة مصر الغربية!

ولا أظن أن أزمة الثقة بين مصر والرئيس أوباما تسمح بوجود قوات مصرية تعمل تحت إمرة الإدارة الأمريكية أو بالتنسيق معها، بعد أن امتنعت إدارة «أوباما» عن تسليم مصر كميات الأسلحة المستحقة لها، وتتجاوز قيمتها 650 مليون دولار، إضافة إلى قطع الغيار، عقاباً للجيش والشعب المصرى لرفضهما حكم جماعة الإخوان المسلمين فى مظاهرات عارمة خرجت يوم 30 يونيو تندد بجرائمها الكبرى التى وصلت إلى حد الخيانة العظمى!

وربما تكمن الصيغة المثلى خروجاً من هذه الأزمة المتعلقة بافتقاد وجود قوات برية كافية لحسم المعركة على الأرض فى التركيز أولاً على تحرير مدينة الموصل، التى يمكن أن ينهض بمسئوليتها تحالف البشمركة الكردية وقوات الجيش العراقى والميليشيات الشعبية، خاصة أن الهدف ممكن ومتاح بعد أن نجحت قوات البشمركة الكردية فى احتلال عدد غير قليل من القرى والمواقع حول مدينة الموصل، تصلح لأن تكون منطلقاً لهجمات متعدّدة تستهدف تحرير المدينة، وما من شك فى أن تفكيك قبضة «داعش» على الموصل وطرد قواتها خارج المدينة، يمثل ضربة مرة وموجعة لـ«داعش» تضعف من معنوياته وتساعد على تفكيك قواته، وترفع الروح المعنوية لكل شعوب الشرق الأوسط عامة والعراقيين خاصة، وأظن أن معركة تحرير الموصل تستحق إسهاماً عربياً من كل دولة تستطيع أن تقدم قدراً من المساعدة، لأن اشتراك العرب فى تحرير الموصل يمثل فى حد ذاته نوعاً من رد الاعتبار لعروبة العراق يساعد على الحفاظ على وحدته، وإفشال المؤامرات التى تستهدف تفكيكه إلى دويلات صغيرة، دولة للشيعة فى الجنوب ودولة لأكراد الشمال ودولة مصطنعة فى الوسط لعشائر السنة العراقية سوف تكون أضعف الولايات الثلاث، خاصة أنها تخلو من حقول البترول الموجودة فى الشمال والجنوب، والأمر المؤكد أخيراً أن انتزاع الموصل من يد «داعش» سوف يكون مقدمة لإزاحة وجودها من محافظة الرقة السورية، وخطوة مهمة فى القضاء على خلافة زعيمها أبوبكر البغدادى، بما يعنى بداية النهاية لـ«داعش» واجتثاث جذورها من العراق وسوريا وليبيا وكل المنطقة العربية.

*نقلاً عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.