التحرير عبودية جديدة
هل يستطيع العراقيون تحرير الموصل من سيطرة «داعش»؟ السؤال مشروع ليس لأن التنظيم لا يقهر عسكرياً، بل لأن الإرادة السياسية للتخلص منه غير موجودة. ولأن المفترض بهم أن يحرروها، أي العشائر والجيش و «الحشد الشعبي»، والأكراد، يتوجس بعضهم من بعضهم الآخر.
لنعد إلى الوراء قليلاً. كانت الموصل في حماية عشرات الألوف من العسكريين الذين دربهم الأميركيون قبل انسحابهم. وكانت الأنباء تؤكد فساد مؤسسات الحكومة، بما فيها المؤسسة الأمنية والعسكرية، وكان عناصر من التنظيم (يطلق عليهم التعبير الإسلامي «جهاز الحسبة») يجوبون الشوارع ويفرضون «الجزية» على التجار والموظفين والدوائر الرسمية، من دون أن تحرك الأجهزة ساكناً. وبعض كبار الضباط كان ضالعاً وشريكاً في ابتزاز المواطنين.
أما على المستوى السياسي فكان المحافظ أثيل النجيفي وأخوه أسامة، رئيس البرلمان، على خلاف مع رئيس الوزراء نوري المالكي، لا يهمهما سوى معارضته في اي خطوة يتخذها في الموصل أو غيرها. أما هو فكان مطمئناً إلى ان الضباط الفاسدين الموالين له لن يخذلوه.
على الجانب الآخر، أي في أربيل، كان الأكراد، وما زالوا، غير مكترثين بالموصل لأنها ليست جزءاً من إقليمهم، وبقيت «البيشمركة» على الحياد عندما هاجم «داعش» المدينة، وأعلن زعيمهم مسعود بارزاني أن المسألة لا تعنيه طالما بقي التنظيم خارج حدوده والحرب بين العرب والعرب.
دولياً، وقف العالم يتفرج على المجازر التي ارتكبها «داعش» خلال هجومه على الموصل، بقي محايداً حتى وصل مقاتلو التنظيم إلى حدود أربيل واحتلوا أجزاء مما يعرف بـ «الأراضي المتنازع عليها» بين الأكراد والعرب. عندها تحرك ضمير الولايات المتحدة وأوروبا وإيران التي كان لها الدور الأكبر في دعم الأكراد لوقف زحف التنظيم، لكن بعد تهجير كل المسيحيين والإيزيديين والسنّة الوطنيين. وأعطى هذا الموقف «المتخاذل» التنظيم فرصة لتثبيت «دولته» الممتدة إلى سورية، وسمح له بذلك على أمل أن يضعف دمشق ويساهم، مع تنظيمات أخرى، في إسقاط النظام.
أما عشرات ألوف الجنود الذين كانوا يرابطون في الموصل فتبخروا. الضباط المرتشون الفاسدون تواطأوا وسلموا مواقعهم وثكناتهم من دون قتال فتبعهم الجنود الذين لبسوا ثياباً مدنية وغادروا إلى بيوتهم. والحكاية اصبحت معروفة يتندر بها الجميع. وعدا إقالة بعض الضباط، والإتهامات المتبادلة، لم يتوصل المحققون، وقد لا يتوصلون، إلى نتائج، فالمسؤولون عن سقوط المدينة يحميهم زعماء طوائفهم المتواطئون معهم في فسادهم، قبل سقوط الموصل وبعده.
الآن نسمع تصريحات كثيرة عن استعدادات عسكرية، وعن قرب تحرير الموصل. تصريحات يطلقها رئيس الوزراء حيدر العبادي ووزير الدفاع خالد العبيدي، وقائد «الحشد الشعبي» هادي العامري، ومسؤولون آخرون. ويشكك الأميركيون في الأمر، مؤكدين أن الجيش غير مؤهل لذلك بعد. ولكن ليست أهلية الجيش وحدها ما يؤخر التحرير. فهناك عوامل أكثر أهمية. منها أن عشائر سنّية ترفض دخول «الحشد الشعبي» في المعركة، وتفضل البقاء تحت حكم «داعش» على دخول الشيعة إلى المحافظة. وتطالب بقوات أميركية برية لإنقاذها من «الحشد». وهناك الأكراد الذين أكد زعيمهم أنه سيقف على الحياد كي «لا يقول العرب السنّة أن مواطنيه وقفوا مع الشيعة ضدهم». فضلاً عن ذلك، يؤكد خبراء عسكريون أن الهجوم على الموصل سيوقع آلاف القتلى نظراً إلى تحصن التنظيم بين المدنيين، منذ أكثر من ثمانية شهور.
هذا هو العراق بعد 12 عاماً على الإحتلال الأميركي: الدولة دويلات طوائف ومذاهب وعشائر وإثنيات متنازعة. والتحرير العسكري ليس سوى عبودية جديدة إذا لم تتحرر النفوس أولاً.
* نقلا عن "الحياة" اللبنانية