حديث الرئيس وأحاديث الوزراء
حتى لا تبقى الجمل مفتوحة بلا نهاية، وحتى لا تبقى الأسئلة بلا إجابات واضحة، وحتى لا تبقى كلمة الشفافية بمعناها الراقى كلمة سيئة السمعة، وحتى لا نبقى أسرى تضارب المعلومات وسيناريوهات الشائعات، جاءت فكرة الخطاب الشهرى للرئيس، تقليد إيجابى يدخل الحياة السياسية لأول مرة، وهو بيان رسمى من ممثل الدولة أمام العالم والمنطقة يوضح موقع وموقف مصر بدقة من المشاكل الإقليمية والدولية
ويؤصل علاقة جديدة بين رئيس الدولة والشعب، علاقة تواصل مباشرة بلا وسيط تؤكد أنه يدرك أن من واجباته إطلاع الناس على صورة الموقف بشكل منتظم وليس عند حدوث كارثة أو فى مناسبة رسمية، فمن حق الشعب أن يكون لديه صورة كاملة دون أن يشعر أن هناك من يتفضل عليه بمنح أو بحجب المعلومة.
الخطاب الشهرى هو أول صياغة محددة فى الأداء السياسى تأتى من أعلى مستوى فى الدولة لتؤكد أنها جادة فى مسارها وتكشف عن رؤيتها.. وتعدد الخطابات على مدى كل شهر يوضح هذه المسارات ويكشف إذا كانت تمضى فى طريقها أم تتعثر.
المكاشفة والإدراك والوعى بكافة التفصيلات فى الدولة التى يؤكدها الخطاب الشهرى تغلق مساحات الشك وعدم الثقة لدى الناس، وتبث فيهم الطمأنينة بأن رئيس الدولة لديه صورة كاملة ويستطيع من خلال هذا التقليد كشف الخلل وإدراك الإعوجاج، وهذا فى حد ذاته سيف ضاغط على المسئولين، فهذا الخطاب أداة رقابة غير مباشرة.
وهو أيضاً إحراج للمستويات التنفيذية التى لا بد أن تدرك أن عليها الوصول إلى حجم المشكلات اليومية، وندعو الحكومة، وبالتأكيد وزراء الخدمات، أن يكون لديهم مؤتمر صحفى يومى يقفون فيه على كل المستجدات ويعلنون فيه الحلول ودقة المتابعة، أما وزراء المجموعة الاقتصادية ورئيس الوزراء فالمفترض أن يرسخوا هذا التقليد أسبوعياً، خاصة تجاه المشكلات الحياتية مثل الضرائب وارتفاع الأسعار وأزمة الكهرباء.
التقليد الذى رسخه الرئيس يفرض على المسئولين أن من حق الناس الوصول إلى رؤيتهم ولمس أفعالهم بشكل واضح من خلال المكاشفة والمتابعة والاستماع إلى المشكلات والوقوف على التفاصيل بدقة، وسوف يكون إحدى أدوات الإعلام من قيمة المعلومة ودقتها المعلومة ويقلل من فتح نوافذ الفساد ويساعد فى رفع الظلم بكافة أشكاله، بالإضافة إلى رفع كفاءة ومستوى أداء المتحدثين الرسميين سواء فى الرئاسة أو الوزارات.
عندما يكون هناك كشف شهرى من الرئيس للناس فهو يجعل مصر تضع نفسها فى درجة متقدمة من الأداء السياسى من جديتها فى بناء دولة مدنية متقدمة، فهو أحد الأشكال والممارسات المهمة لفكرة الديمقراطية وأشهر نموذج لهذا النوع فى الأداء هو «خطاب حالة الاتحاد»، وهو خطاب الرئيس الأمريكى الشهرى.
الجانب السلبى فى هذا الخطاب ربما لم يشعر به المواطن العادى وأدركه المتخصصون فى الإعلام. فالإخراج التليفزيونى للخطاب لم يكن موفقاً فهو وضع الخطاب فى جو دراما من خلال الإضاءة وزوايا التصوير والموسيقى المصاحبة واختيار اللقطة الجانبية، وهذا أسلوب غير مناسب لجدية ومستوى الخطاب وما جاء فيه وأهمية فكرته. إنه إخراج لا يليق بمستوى هذا النوع من الخطابات.
*نقلاً عن "الوطن" المصرية