.
.
.
.

في وسائل «الاستعباط» السياسي!

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

أصدرت محكمة القاهرة للأمور المستعجلة حكما باعتبار «حماس» حركة إرهابية، وهو ما يترتب عليه عدد من النتائج التي تخص أموالها، وأشخاصها، وعلاقاتها داخل مصر وخارجها. الحكم بهذه الطريقة يضع المنظمة الفلسطينية على نفس المستوى الذي وضعت فيه من قبل جماعة الإخوان المسلمين المصرية، التي تعتبر حماس منتسبة إليها تاريخيا وواحدا من فروعها. ومن ناحيتها استشاطت حماس غضبا، وأطلق المتحدثون باسمها، وهم كثر، في وسائل الإعلام المختلفة سيلا من الاتهامات لمصر بتصدير أزماتها الداخلية، ولقيادتها بأنها اختارت إسرائيل على حساب القضية الفلسطينية التي هي قضية العرب المركزية، وقضية أحرار وأخيار العالم الأولى. وهكذا، وبنفس الطريقة التي تكررت من قبل مرارا وتكرارا، وضعت فلسطين، التي حدث أنها أصبحت حماس، وليس غيرها، في مقابل إسرائيل، فمن والاها بات من المناضلين المدافعين عن القدس، ومن عزف عنها، فقد صار من العملاء والمنافقين الذين تكالبوا مع الإمبريالية والصهيونية العالمية على التآمر على قضية العرب المقدسة.
أخذ المسألة الخاصة بحكم المحكمة في هذا الاتجاه، هو نوع من «الاستعباط» السياسي بامتياز، لأنها تجاهلت ليس فقط مسببات الحكم المرتبطة بقضية بعينها، مضافا لها الكثير من القضايا الأخرى المتعلقة بسلوك حماس إزاء مصر ليس فقط خلال فترة الثورتين الأولى في يناير (كانون الثاني) 2011 وحتى يونيو (حزيران) 2013، ولكن أيضا فيما سبقها ولحقها من أحداث. و«الاستعباط» – أي ادعاء البلاهة والاندهاش وتجاهل الحقائق الجلية ومحاولة الحديث عن موضوعات أخرى بغية صرف الانتباه عن القضية الأصلية - هو وسيلة شائعة في الواقع السياسي الفلسطيني لصرف الأنظار عن الفشل الذي تعيشه القضية الفلسطينية على يد نخبة الشعب الفلسطيني السياسية والعسكرية في تحقيق أهداف الحرية والاستقلال وإقامة الدولة حتى بات الشعب الفلسطيني هو الشعب الوحيد في العالم تقريبا الذي لا يزال قابعا تحت الاحتلال.
سوف نترك تاريخ مصر والمصريين مع القضية الفلسطينية الآن، ليس فقط لأن ذلك هو واجبها، وإنما أيضا لأن مصر كانت تدافع عن نفسها، وتحمي مصالحها القومية العليا. ولكن بنفس المنطق فإن مصر والمصريين لا يمكنهم القبول بأن يقوم طرف كيان سياسي آخر بتثقيب حدودها بالأنفاق التي تعدت الألف نفق، وداخلها، ومن خلالها، وحولها، جرت أكبر شبكة للتهريب والجريمة المنظمة عرفتها المنطقة في التاريخ. خلقت هذه الأنفاق بواسطة وإشراف منظمة حماس الحاكمة في قطاع غزة، وفي نهايتها جلس مسؤولوها يحصلون الضرائب، ويستولون على عربات الشرطة المصرية التي جرت سرقتها إبان الثورة، لكي تجري بعد ذلك في شوارع غزة حاملة أرقامها المصرية. كانت الأنفاق وسيلة متعددة الأغراض وأولها خلق شبكة من العملاء المصريين على الجانب الآخر، ومن خلالهم جرى إفساد السوق المصرية، والتجسس على الأمن المصري، وتهريب السلاح، والإرهابيين، وتجارة البشر القادمين من كل اتجاه؛ وكل ذلك وحماس على جانبها تحصل الأموال، أو تنظر إلى الجهة الأخرى بينما تنظيمات أخرى تقوم بتدريب إرهابيين مصريين. وثانيها أن هؤلاء الإرهابيين المدربين قاموا بعمليات إرهابية منظمة ضد مصر في طابا وشرم الشيخ ودهب، طالت في أغلبها مواطنين مصريين، وفي واحدة منها قتلوا 16 من الجنود المصريين قبل عبور الحدود مرة أخرى باتجاه غزة. وثالثها أنه بينما حدث ذلك قبل الثورة الأولى وبعدها، فإن تغيرا نوعيا جرى لسلوكيات حماس بعد الثورة الثانية حينما باتت الأنفاق هي وسيلة الإرهابيين الأولى للحصول على جرعات تدريبية وأموال وأسلحة للحرب ضد الأمن المصري في سيناء.
ولم تكن الأنفاق وحدها هي وسيلة حماس للانتهاك المستمر للحدود المصرية؛ ففي يناير 2008 قادت حماس أكبر عملية للزحف المدني لسكان غزة على سيناء حينما اقتحم ثلاثة أرباع مليون فلسطيني الحدود المصرية دون موافقة من سلطات مصرية أو من الشعب المصري. ولولا أن الحكمة سادت على الجانب المصري، لكان ممكنا أن يؤدي ذلك إلى مواجهة مسلحة يضيع فيها الكثير من الأبرياء. مثل ذلك سلوك إزاء السيادة المصرية لا يمكن تبريره بالحصار الواقع على غزة، الذي تقع مسؤوليته الأولى والأخيرة على عاتق حماس، التي كان همها الأول من انقلابها على السلطة الوطنية الفلسطينية هو منعها من تمثيل السيادة الفلسطينية وفقا للاتفاقيات الدولية الموقعة من قبلها على المعابر السبعة (واحد منها فقط في مصر ويخص الأفراد والستة الأخرى على الحدود الفلسطينية الإسرائيلية وتخص كل الأمور الأخرى) بين قطاع غزة والخارج. كان صراع حماس مع السلطة أكثر أهمية في نظرها من حاجات الشعب الفلسطيني؛ وبعد أن تسببت حماس في هذا المأزق لم تجد سوى مصر لكي تلقي عليها بتبعات ذلك الموقف التعيس.
الطريف في الأمر، أن حماس التي قسمت الكيان الفلسطيني الوليد حتى قبل قيام الدولة، راحت من موقعها في القطاع تحاول العبث بالدولة المصرية وأمنها وسيادتها. وظهر ذلك إبان الثورة المصرية الأولى حينما خرجت جماعات إرهابية من السجون عنوة ووجد بعض أفرادها طريقهم لكي يظهروا على شاشات التلفزيون في غزة. وبعد الثورة الثانية التي أسقطت حكم «الإخوان»، وجدت جماعات منهم طريقها أيضا إلى غزة لكي تجري إدارة العمليات الإرهابية، وإحداث القلاقل في الشارع المصري من هناك. أصبحت غزة باختصار هي بؤرة الأعمال المناهضة لمصر، وبعد ذلك، وبعيون مفتوحة، تجري عمليات «الاستعباط» السياسي فيجري تجاهل كل ما سبق وتلقى التهم على مصر الذي كان عليها فتح المعبر الوحيد الذي لديها صباح مساء، وعلى مدار الأيام، حتى تسهل عمليات حماس التي تسببت في إغلاقه في المقام الأول في دعم الإرهاب في مصر بكل ما سبقت الإشارة إليه.
المشكلة في منطق المتحدثين باسم حماس ليس فقط في «الاستعباط» الظاهر في تجاهل الأسباب المشار إليها للموقف المصري من استخدام المعبر الوحيد؛ ولكن لأن هناك تخيلا أن القضية الفلسطينية لا تزال على مكانتها التي كانت عليها في السابق. فالحقيقة أن أصحاب القضية الأصليين - أي الفلسطينيين من جماعة حماس ومؤيديها والساكتين عليها - لم يقفوا إلى جانب مصر، ولا بقية الدول العربية، التي هاجمتها الجماعات الإرهابية المختلفة التي خرجت من عباءة الإخوان المسلمين. لقد تغيرت «أجندة» المنطقة لكي تتعامل مع تهديدات مباشرة وعاجلة تجري في مصر وليبيا واليمن وسوريا والعراق والصومال، وعلى الحدود الجزائرية، والجنوب التونسي، من جماعات تتشارك مع حماس الآيديولوجية والأفكار ذاتها. هل معنى ذلك أن العرب نسوا فلسطين، والإجابة بالقطع لا، ولكن هناك انتظار تحتمه ظروف الأولويات، واختيار الشعب الفلسطيني لقيادات تعرف كيف تدافع عنه، وتكسب له الحلفاء وليس مزيدا من الأعداء؟

نقلاً عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.