.
.
.
.

حوار مع ساحر متقاعد

فهد البصيري

نشر في: آخر تحديث:

قبل سنوات ذهبت إلى مدينة شرم الشيخ المصرية للسياحة وليس لحضور مؤتمر اقتصادي.

وبين المتنزهات الكثيرة هناك، اخترت مكاني وحيدا في زاوية منسية، أرقب المارة وأخمن ما يدور في أذهانهم، متسليا بحديث النفس الأمارة بالسوء، عندها جلس بجانبي رجل في خريف العمر، أو خفيف العمر كما أسميه، وكان أشقر طويل القامة، ويبدو أنه عذب في شبابه الكثير من المعجبات، ولكن الآن لا خوف على معجباتي من الجلوس بجانبه، وبالطبع ولزوم الوحدة التي يعيشها كلانا، دار بيننا نقاش غير هادف. وبطبع العرب البوليسي أمطرته بالأسئلة الشخصية من غير (سلام عليكم) وكأنني أعرفه منذ أيام رمسيس الثاني، ولولا الحياء لطلبت منه أن يقول: أقسم بالله العظيم أن أقول الصدق ولا أقول غير الصدق. وهي العبارة الشهيرة عند فتح باب التحقيق مع أي مواطن عربي هذه الأيام.

وما هي إلا دقائق، وكعادة الأجانب (من غير العرب) سرعان ما وثق بي وأخرج محفظته من جيبه، وأخذ يستعرض أمامي صور عائلته، صغيرها وكبيرها، ذكرها وأنثاها، أحيائها وأمواتها، وبالطبع يجب أن أرد على الصور بالصور، وبدهاء العربي الفطري، أخرجت له محفظتي وأريته صورة الخادمة الآسيوية مدعيا أنها زوجتي، وصورة السائق وأسررت له أنه ابني البكر من زوجتي الأولى الكينية، والتي افترسها أسد أمام عيني، ورغم ان السائق (أي ابني البكر) بدا أكبر سنا مني.. إلا انه اعتقد انه مريض فأكدت كلامه: انه مصاب بداء ( العنكز فنكز) الإفريقي.

وبعد سيل الأسئلة (الأفعوانية) المرسومة، خر الرجل المسكين واعترف لي بأنه ساحر!

وهنا قفزت من مكاني، وقلبت وجه الحذاء وقرأت ما تيسر لي من الذكر الحكيم.. استغرب تصرفي قائلا: عفوا هل تريد مساعدة؟ فابتسمت ابتسامتي الصفراء المحببة.. فسألني للاطمئنان: هل تعاني ألما في أسنانك؟ ارتحت للعذر الذي قدمه نيابة عني فقلت: نعم، وأكملنا الحديث والحذاء مقلوب. علمت منه انه تعلم السحر بعد ان تجاوز الثلاثين من عمره، حيث كان يعمل سابقا نجارا محترفا، والذي أوصله للسحر هو محل لبيع الأدوات السحرية، شاءت الصدف ان يقع أمام منزله، ومع مرور الوقت أصبح ساحرا محترفا، وعضوا في جمعية السحر العالمية، يحرص على حضور مؤتمراتها السنوية، وعلى علاقة وطيدة بالساحر العالمي ديفيد كوبر فيلد، وهو كبيرهم الذي علمهم السحر.

والذي استطاع ان يخفي تمثال الحرية، وان يخترق سور الصين العظيم وأن يطير حاملا بين يديه امرأة جميلة، وعلمت من محدثي انه ايضا ساحر لا يشق له غبار، وأن لديه من الألعاب السحرية ما لا يطيقه الآخرون، ولكن ما جعل الحديث يبدو غير شيق انه اعترف لي أن جميع ما يقومون به، ما هو الا خدع وألاعيب تُستخدم فيها التكنولوجيا والأدوات الخاصة لزوم كل حركة، بل ان بعضها سهلة وسخيفة، وانها ليست سوى مهنة للتكسب وإبهاج الناس، وأن سوقها بدأ يكسد بعد أن قام الكثير من السحرة الخونة (بحسب وجهة نظره السحرية) بكشف أسرار خدعهم فتحولوا إلى مهرجين، بعد أن كان ينظر لهم كأناس خارقين. وانه ولهذه الأسباب، تقاعد تاركا هذه المهنة التي اصبحت في يد كل من هب ودب.

ولم أشأ أن اتركه يذهب (هكذا سلامات) فسألته عن السحر الأسود والأبيض والملون أيضا، وهل هناك سحرة يستطيعون الطيران؟ استغرب سؤالي و قال: نعم لدي أصدقاء سحرة لديهم رخص دولية لقيادة الطائرات!!، قلت اقصد الا يستخدمون (عصا المكنسة) كما يقول البعض؟ قال: بلى. يستخدمونها لتنظيف المنزل، وحاولت استدراجه ليعطيني (حجرا أو خرزا) لزوم المحبة أو على الأقل لجلب المعجبين والمعجبات الأحياء منهم والأموات... فضحك بصوت عالٍ كاد أن يفقع مصرانه الغليظ وقال: إنها تباع في الأسواق اذهب إلي أي (جواهرجي) واشترِ لؤلؤة أو حجرا من الألماس وسيقع في دباديبك كل من يشاهدها في يدك.

*نقلاً عن صحيفة "الراي"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.