فراغ الرأي والمنطق
بعض الصحفيين أصحاب الكفاءة حتى لو كانت محدودة يتحولون إلى مؤرخين برواية ما عاصروه وما ثبت لسيرتهم من حقائق إعلامية.. ونعرف جميعاً سيرة هؤلاء، لكن نجد أن محمد حسنين هيكل قد تجاوز حالياً عمر التسعين في حياته، ولا تزال تنقصه الحيادية ومصداقية الأفكار والآراء.. هذا إذا كان هناك أفكار وآراء تختلف عما يطرح من مغالطات..
قبل أيام قليلة أخطأ هيكل بحق المملكة العربية السعودية عند ردْعها للحوثيين المشهود عند الجميع تجاوزهم، مع أنها خطوة قامت بها المملكة بدعم أغلب الدول العربية للحفاظ على هوية اليمن العربية ضد أي تدخل خارجي على سيادته..
ويورد هيكل خطأه الغريب عندما يدّعي أنه كان يجب أن تنتظر المملكة القمة العربية، وهنا مخاطرة رفض أو تأجيل سيضع مستقبل هذا القرار في موقف صعب يزيد المكاسب الإيرانية الحوثية مع تأخر التدخل العربي.. مع وجود أكثرية عربية في التأييد والمشاركة لما تقوم به المملكة..
وهنا أتساءل: بهذا التفكير الساذج والوهمي ما هي نوعية عروبة هيكل؟.. عروبة هيكل التي ضعفت ثم اختفت منذ انتهى عصر الرئيس عبدالناصر، حيث كان الصحفي الأول في عصره - حسب رأيه شخصياً - ونعرف أنه في ذلك العصر كانت هناك نجومية صحفية متألقة بمصداقية الحقائق.. مصطفى أمين مثلاً أبرز كاتب رفض الإساءة إلى صحافته.. وبرز آخرون أيضاً لم ينصفهم ذلك العصر.. ولعل أبرز شواهد الفروق آنذاك خصوصاً في عصر اتجاه الرئيس السادات لإيجاد موضوعية الصحافة حين تأتي المقارنة بين كتاب «خريف الغضب» لهيكل، وكتاب أحمد بهاء الدين «حواراتي مع السادات»..
بعد رحيل عبدالناصر بدأ يظهر للكثير من أصحاب الرأي حقائق ضعف قدرته على التحليل وسذاجة تلك القدرة سواء رأيه قبل ثلاثين عاماً بأن دول الخليج سوف تذوب في التمدد الهندي، أو عندما اعتقد أن العرب هم مَنْ ضرب برج التجارة العالمي..
واضح جداً.. جداً أن السنوات لم تغيّره ولم توفّر أي نسبة مصداقية بعد أن اكتفى بتسمية أبشع هزيمة في تاريخ العالم العربي بتسمية «النكسة».. حيث إن إسرائيل قبل غيرها لم تكن تحلم بالوصول إلى حجم تلك القوة في السيطرة وبشاعة الهزيمة.. على أن مصر - وكما هي الآن - هي منطلق القوة الحقيقية بتواجد ما هي فيه من حقائق وعْي وقدرات.. ولا ننسى انتصارها العظيم السابق في حرب أكتوبر الذي حاول هيكل أن يشوّهه بسذاجة الرأي وغياب المصداقية..
* نقلا عن "الرياض"