سياسة حافة الهاوية
مرة أخرى، أن تتلقى إيران عرضا للتنازل عن مشروعها النووي في مقابل "اعتراف" أميركي بالنفوذ، هو مقايضة عجيبة في العرف السياسي. المفاوضات التي حدثت لم تتوصل حتى الآن إلى لغة مشتركة، إلا أنه لا يبدو أن إيران سترضخ لمطالب أميركا والقوى العظمى، لا إيقاف المشروع النووي ولا تدريج العقوبات، خاصة أن العقوبات لم تحد من مواصلة إيران لمشروعها بل استمرت، بالرغم من الحصار الاقتصادي.
وفي كل الأحوال، كل الخيارات الممكنة للمعالجة هي ما بين خيارات سيئة وخيارات أسوأ. السياسة التي ينتهجها أوباما هي فتح قنوات وفرص مع كل الدول ذات العلاقات المقطوعة أو السيئة مع أميركا، وبالطبع إيقاف أو تعطيل أو حتى تبطيئ المشروع النووي الإيراني من خلال ذلك على الأقل لمدة عشر سنوات قادمة، وفي الوقت ذاته ترك إيران تقوم ببعض المهمات القذرة dirty job بدلا عن أميركا في المنطقة، التي وجدت أميركا نفسها مشتتة بها في الشرق الأوسط. وهي بطبيعة الحال دفعة كبرى لإيران لفرض سيطرتها الإقليمية بجرأة وعلى خشبة المسرح، وبالتالي تعزيز موقعها التفاوضي مع الغرب، كما أنها بالتالي لغة مصالح مشتركة في نظر الإدارة الأميركية. لكن لا ضمانات، فالقرارات – إن حدثت- قد تتغير مع تغير الإدارات سواء من الناحية الأميركية أو الإيرانية، قريبا.
الأمور في الشرق الأوسط تتهاوى بشكل متسارع، ولم تمر منطقة في تاريخ العالم بما مرت به المنطقة في سنوات قصيرة. وأميركا تدير سياسة جديدة مركبة خطرة، فهي فيما يبدو لا تستطيع أن تدير هذا الكم من الشبكة المعقدة من العلاقات. لا بد من مقاولين متنوعين. وإيران مقاول جيد يبحث عن عميل يشرعن لها دورها. تبحث في المناطق المتعثرة عن تل تضع عليه علمها تحت شعار "آيديولوجي". السياسة الإيرانية هي تصريف للعدوانية الكامنة، ناتج عما تراه عدوانية تمارس عليها جراء العقوبات والتاريخ السيء. حتى مشروع الهيمنة هو أزمة وجود تبررها بالأمن القومي الإيراني. وأميركا في المنطقة مثل المدير العام الذي وجد موظف مهووس بالمنصب فأوهمه بمنصب غير موجود في "السستم" أصلا، بينما اللاعب الرئيسي هو اللاعب الاستراتيجي. وضع سوريا لا بد أنه استنزف الخزينة الإيرانية بلا ضمانات مستقبلية والأمور تسير نحو الأسوأ. سوريا هي الأزمة التي تحتاج إلى حل حقيقي. سوريا هي نقطة الحل بعد اليمن. وحل اليمن سيحدده نجاح عملية الحزم. وستجد إيران نفسها وقعت في الحفرة أمام هذه التدخلات المعقدة في منطقة مشتعلة بمن فيها.
أجد أن هناك رأيا كلاسيكيا عربيا يتفق مع موقف نتنياهو الظاهري وهو أن مشروع إيران النووي تهديد أمني حربي مشترك!. الإدعاء أن إيران من الممكن أن تقوم بالإيذاء من خلال مشروعها النووي هو رأي كلاسيكي. فإيران لو فكرت بذلك فهي تقوم بعمل انتحاري لإيران نفسها. إيران تحت المراقبة "الشديدة" من الأقمار الصناعية بأميركا Under Extreme Surveillance، ومجرد أن تضع ما يرتب لتحضير نووي هجومي، ستجد إيران نفسها ممحوة من الخريطة قبل أن تفعل هذا العمل الانتحاري. إذن فالسبب الأساسي ليس الأمن بالنسبة لإسرائيل، هي التي تملك ترسانة نووية وقنابل نووية للتهديد وحماية أمنها، وهذا ما لا يتوفر لا للدول العربية ولا الخليج ولا المنطقة. إذن إنه حيازة سلاح "الردع" الذي يضفي القوة على دولة تنافس إسرائيل في المنطقة وهي إيران، إذن المشترك مع هموم إسرائيل هو محاولة إيران تغيير توازن القوى من خلال التأثير على جغرافية المنطقة. وتوازن القوى هذا خطورته ليست في المشروع النووي نفسه، بل في دلالة ذلك وما يترتب عليه من مشروعات توسعية أخرى مفادها تهديد للأمن القومي العربي لا سيما السعودية.
ربما الأزمة أننا كنا ولا زلنا نتعامل في المنطقة بمنطق ردود الفعل. موقف نتنياهو من مشروع الاتفاق النووي مع إيران مؤخرا إضافة لكونه اعتراض كأساس فهو أيضا موقف شخصي بسبب العداوة الشخصية بينه وأوباما، وقد أسهم هذا الموقف في إخراج إسرائيل من اللعبة، بينما كان من الممكن أن تكون جزء منها. وموقف الجمهوريين من أعضاء الكونغرس المناصر لنتنياهو كذلك من المشروع هو موقف في حقيقته يسعى باستمرار لتقويض كل ما يخص قرارات أوباما أيا كانت، وفي المقابل أوباما يريد أن يثبت النجاح الوهمي بأي طريقة ممكنة، وعودة كيري بدون اتفاق مع إيران هو إحراج للإدارة التي راهنت على ذلك أمام الكونغرس.
في المحصلة، ما يحدث هو تحديات عبثية خطيرة إضافية على المنطقة. ومن المهم أن نكون جزء من اللعبة كلها لا خارجها كلاعب أساسي، أيا كانت اللعبة وأيا كانت نتائجها. المنطقة تسير بسرعة جنونية نحو حافة الهاوية إن لم يكن هناك فرص حقيقية لتدارك وضبط المسارات. لا بد من تجاوز كل مسائل ردود الفعل إلى المبادرات المجدية، والتعامل مع تحولات العصر الجديد بحزم.