.
.
.
.

عام الحسم

مازن السديري

نشر في: آخر تحديث:

بدأت هذه السنة الميلادية بعد إعلان بيان الميزانية الذي حدد معالم إنفاقات هذا العام بحدود 860 مليار ريال، وتصوّر لعجز متوقع بحدود 130 ملياراً، ولم يكن يشغل بال الجميع سوى هبوط أسعار النفط الذي أربك الأوساط الاقتصادية السعودية، وبعد ذلك توالت أحداث متسارعة لتبين أن هذا العام هو عام مختلف في تاريخ وطننا، وأكثرها قوة من عام 2011 أو عام 1990.

بعد هبوط أسعار البترول في نهاية العام الماضي توالت القلاقل بشأن رغبة الدولة في المضي نحو التنمية والتوسع في البنية التحتية، مع العلم أنه الخيار الأساسي لاقتصادنا للحفاظ على مسيرة النمو وخلق الفرص الوظيفية، وجاء انخفاض الأسعار برغبة المملكة وحلفائها داخل أوبك لإعادة الهيكلة الإنتاجية ويكون البقاء للشركات ذات الآبار الأكثر كفاءة اقتصادياً، و(أرامكو الأسرار) تعلم جيداً التكاليف الحقيقية لكل أنواع الآبار والحقول في العالم، أعرف هذه القدرة في تحصيل المعلومات من شركات نفط أصغر كثيراً من أرامكو وأقل إمكانات.. لذلك أنا شبه مقتنع بقدرة أرامكو، لكن هذا لم يمنع ارتباك الأوساط الاقتصادية المحلية من القلق لعدم وضوح الرؤية وظهور تصريحات سريعة من وزارة المالية لتأكيد سلامة واستمرارية الإنفاق في سبيل التنمية.

بعد ذلك في مطلع العام فقد الجميع الملك المحبوب عبدالله - رحمه الله- ليتولى بعده الملك سلمان الذي فاجأ الجميع بحزمة إصلاحات متسارعة، لعل أكثر ما أدهش المجتمع الاقتصادي المراقب هو اختياره قيادات حكومية من القطاع الخاص، وهي الخطوة نفسها التي قام بها مؤسس التنمية السنغافورية (لي كوان) الذي قام بتعيين قيادات دولته من قياديي الشركات الخاصة وبرواتب عالية، وقال: هؤلاء يؤمنون بالتنمية ولهم ثقافتهم العكسية مع الفساد، وأعطاهم رواتب تزيد على شركاتهم، وأصبحت سنغافورة من أقل الدول فساداً في العالم.

وخلال شهر فبراير بعد قرارات خادم الحرمين منحت (ستاندر بورز) المملكة تصنيفاً ائتمانياً عالياً من درجة استثماري ومنخفض المخاطر بخلاف دول نفطية أخرى مثل كازاخستان وعمان وفنزولا، وكانت أسباب المنح للمملكة هي المواصفات الكمية للاقتصاد السعودي من احتياطات نقدية عالية، وكذلك نوعية من حيث خطة إدارة التنمية برغم تأثر المملكة من حجم صادرات ودخل حكومي هو 85% و90%، وقامت وكالة (موديز) بالخطوة نفسها منذ أيام.

بعد ذلك بدأت معركة من أهم معارك الدول العربية في الزمن الحديث وهي "عاصفة الحزم" وسط، لا أقول رضا شعبياً، بل فرح شعبي ومعركة تدار بيد المملكة، وهنا الأهمية الاقتصادية في ضبط تكاليف المعركة، بعكس حرب تحرير الكويت التي تكونت من عدة جيوش مشاركة كان يصعب ضبط ميزانياتهم بخلاف الظرف الحالي، وقواتنا أُنفق على تسليحها في السنوات الماضية وأثبتت كفاءة قدرتها وقيمة ما أُنفق عليها في وضع جيوسياسي وأمني أربك كبرى دول العالم.

وسط هذه الأحداث لا شك أن العجز سوف يرتفع عن المتوقع بأضعاف قد تصل - لنقل جزافاً 400 مليار - في أسوأ عام لأسعار البترول حسب توقّع جميع بيوت الخبرة بخلاف السنوات المقبلة التي تتوقع أوساط المحللين أن تكون أسعار البترول أعلى فيه، هذا يعني بقاء ما يوازي 85% من حجم الاحتياطات النقدية قياساً لأعلى ناتج محلي اسمي 2.8 ترليون في العام الماضي، ولا شك أن أسعار البترول المنخفضة ستجعل الناتج الاسمي لهذا العام أقل من العام الماضي بسبب الميزان التجاري الذي سوف ينخفض، ولكن في المقابل إعادة الأمن الجيوسياسي وإعادة هيكلة صناعة البترول.

وجميع هذه الأحداث فُرضت علينا ولكن لابد من مواجهتها، ألم يقل تروتسكي: "قد لا تبحث عن الحرب، ولكنها تبحث عنك".. إنه عام الحسم.

* نقلا عن "الرياض" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.