عالم الكاميرات الصغيرة

ممدوح المهيني
ممدوح المهيني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

في السعودية أقالت وزراء ومسؤولين, وفي أمريكا فضحت رجال كونغرس بعد أن كانوا مرشحين محتملين ليكونوا رؤساء وزعماء كبارا, وفي لندن التقطت مؤخرا صوراً للناشط البريطاني ماجد نواز في نادٍ للعراة، منهية مستقبله السياسي وملطخة صورته كمصلح ديني.

كل هذا بسبب الكاميرا الصغيرة التي تجاوزت سلطتها الجميع تقريبا, من تلفزيونات وأحزاب سياسية وجماعات دينية. في الماضي تشن حملات إعلامية منظمة ومكلفة لتحطيم صورة المنافسين, أما الآن فلقطات كاميرا لثوان قليلة كفيلة بتدميرها.

يجادل البعض بأن وجود كاميرات مسألة جيدة في كل الأحوال, فبحسب ما يقال, الذي لا يرتكب المخالفات عليه أن لا يخاف الكاميرات. هذا صحيح، خصوصا مع تزايد عمليات التحرش والقتل التي فلت فيها المجرمون لأن الكاميرا لم تكن موجودة في المكان الصحيح. مؤخرا فقط قام شرطي في ولاية كارولاينا الجنوبية بإطلاق رصاصات أردت أحد الشبان السود قتيلا. لو لم تسجل جريمته كاميرا الهاتف الذكي لفلت بسهولة من العقوبة.

بسبب الهاجس الأمني الضروري, يتجه العالم لنصب مزيد من الكاميرات, وأعداد المصورين الهواة الباحثين عن فضيحة لشخص مشهور ينشرونها في مواقع التواصل الاجتماعي ستزيد بالطبع. ولكن دخول العالم المكشوف سيكون له أيضا نتائجه غير الجيدة وسيدخلنا في عالم مختلف يتعامل مع الفرد كآلة وليس إنسانا، ولا يسمح لك بأن ترتكب غلطة واحدة.

الكاميرا ستزيد الأمن ولكنها ستؤثر على العلاقة الإنسانية الخاصة التي تقرب بين البشر, كما يقول الكاتب ديفيد بروكس في مقال نشره مؤخرا في صحيفة النيويورك تايمز. فبعد تركيب كاميرا على كل شرطي لن يقوم رجال الشرطة كما يفعلون دائما بمسامحتنا على الأخطاء البسيطة التي نرتكبها. الثقة في الكاميرا الآلة أصبحت أكبر من الثقة بالشرطي الإنسان, والكاميرا الآلة لا ترحم حتى الهفوات الصغيرة .

البشر ينسون ويغفرون ولكن الكاميرات لا تنس ولا تغفر. جزء من تطور الإنسان أن يرتكب الأخطاء ويتعلم منها ويدخل مراحل جديدة في حياته أكثر نضجا. ولكن مع دخول الكاميرا فالهفوة التي يرتكبها الشخص قبل عشرات السنوات لا تمح من الذاكرة وتجعل الشخص حبيس الماضي الذي لا يموت .

الكاميرات المتلصصة في كل مكان خلقت ثقافة المزايدة الأخلاقية التي تصلب الفرد حتى لو ارتكب غلطة واحدة فقط. كنتيجة طبيعية ستتعمق الثقافة المزدوجة التي يقودها المتطفلون البارعون في التقاط هفوات الناس وزلاتهم ونشرها على أوسع نطاق, وهم يقومون بأشنع منها في غرف نومهم المغلقة. ستزيد بذلك رغبة التطهر النفسي التي تحدث عندما تفرغ فيها كل عيوبك الدفينة على شخص آخر ولا تتردد بإعدام سمعته وتحميله كل عيوب الدنيا, مع أبسط غلطة يرتكبها.

الكاميرا التي تسجل كل لحظة ستخلق أيضا عالمها وشخصياتها التي تعرف كيف تتصرف في حضرتها. في كل مكان, هناك مسؤولون يكونون بسهولة علاقة حب وتفاهم مع الكاميرات. يعرفون كيف يتحدثون لها ويختارون الهيئة المناسبة لالتقاط الصورة, أو نبرة الصوت المناسبة للحديث, فيما مسؤولون آخرون يتجمدون ويتعلثمون إذا سلطت عليهم أضواء الكاميرات. هذا يعني أن جودة العمل نفسه ستتراجع أمام قدرة الشخص على التعامل مع الكاميرات التي تحطيه, ولكنها قدرة غير ضرورية للعمل, فهناك فرق كبير بين الإنجاز والاستعراض.

رغم كل ذلك, فلا مجال إلا لنصب مزيد من الكاميرات في أعمدة الإنارة وعلى أسطح البنايات, فلم يترك لنا القتلة والمتحرشون والإرهابيون فرصة أخرى.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.