بعد نهاية العاصفة

ممدوح المهيني
ممدوح المهيني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

أغرب تحليلات صحيفة النيويورك تايمز وأبعدها عن الحقيقة لعمليات "عاصفة الحزم" هي أن السعودية بدأتها لتستعرض قوتها ولتشعر بالرضا عن نفسها. العقل البارد البعيد عن الضربات الجوية والخسائر الحوثية سيرى فيها حربا مفصلية ليس فقط من أجل سلامة استقرار المنطقة, بل من أجل الحفاظ على النظام الدولي.

أهمية "الحزم" ليست في النصر بحد ذاته , ولا الشعور بالتفوق النفسي والوطني, بل بالنتيجة الواقعية وهي المحافظة على طبيعة العالم المستقر والمنفتح الذي نعيش فيه.

مثل هذا العالم لم يخلق صدفة بل ساهمت قوى دولية على مدار التاريخ بالمحافظة عليه أمام محاولات فاشلة لقوى أخرى سعت لتهشيمه وتحطيمه.

نظرة تاريخية خاطفة ستجعلنا نضع "الحزم" في إطارها الصحيح. هذا العالم المفتوح المستقر الذي نقطعه طولا وعرضا يرتكز في أساسه على مبدأ توازن القوى, وهي فكرة نشأت على مراحل بعد معاهدة ويستالفيا الشهيرة في عام 1648 التي وقعها عدد من الدول الأوروبية، بعد أن أنهكتها الحروب الدينية التي كان آخرها حرب الثلاثين عاما الشهيرة التي حصدت الملايين من الكاثوليك والبروتستانت. نتيجة لهذه الاتفاقية نشأت مفاهيم جديدة لم تعرف سابقا منها أن على الدول أن تحترم سيادة الدول الأخرى, وتكف عن التمدد العسكري, وتوقف فرض عقيدتها الدينية على الآخرين وتحترم المصالح القومية. بحسب وزير الخارجية الأميركي الشهير هنري كيسنجر في كتابه "نظام عالمي" فإن الموقعين على هذه الاتفاقية شغلتهم المصالح الضيقة لبلدانهم ولم يفكروا بأبعد من ذلك, ولكن الفكرة تمددت وتطورت وشكلت مع مرور السنوات العمود الفقري للنظام العالمي الذي نعيش فيه اليوم, حيث على القوى الدولية أن تحترم هذا النظام الذي يحفظ استقرار العالم, وإلا عمت الفوضى واستعرت الحروب التي لا تنتهي, كما كان يحدث قبل المعاهدة الشهيرة.

تعرض هذا النظام للصدمات العنيفة، وحاولت قوى عديدة الخروج عليه واستبداله بنظام عالمي يخصها, مثل ما فعلت القصيرية الروسية التي كان لها مفهوم آخر للنظام العالمي الذي تسعى لترويجه وهو: قيصر واحد, نظام استبدادي صارم, وتوسع في كل الاتجاهات.

النظام السياسي في الصين يستمد شرعيته من الإمبراطور وكل الآخرين غير الصينيين مجرد برابرة. ولكن أكبر التحديات التي مر بها هذا النظام كان مع ألمانيا النازية التي كادت بالفعل تقضي عليه نهائيا وتدخل العالم في نفق طويل من الظلام، لولا شجاعة رئيس الوزراء البريطاني تشرشل الذي خلد العالم اسمه كبطل ليس فقط لأنه حمى بلاده، ولكنه لأنه كان الرجل الأخير الذي وقف أمام انجراف العالم نحو المجهول. الاتحاد السوفيتي روج لنظامه الشيوعي قبل أن ينهار, والصين الشيوعية قبلت في أواخر السبعينيات الانضمام للعالم الجديد بعد أن تخلت عن الماوية وتبنت الاقتصاد الرأسمالي.

توازن القوى بين الدول هو الذي يحمي هذا النظام , ولكن أيضا وجود دول ذات قوة عسكرية كبيرة كان ضروريا لمنع طغيان دول أقوى على دول أخرى أضعف.

البريطانيون لعبوا هذا الدور بقوتهم البحرية الضاربة التي كانت سيدة البحار والمحيطات التي وصلت ذروتها في عام 1883 لتبدأ بالتراجع بعد ذلك التاريخ بعشرين عاما, لتأخذ مكانها القوة الأميركية التي لم تتراجع قوتها الاقتصادية أو العسكرية, بل حضورها السياسي مع الرئيس أوباما الراغب في الانكفاء.

هذا التطور التاريخي المختصر للصراع بين الاستقرار والفوضى يلتقي بشكل وثيق بالحزم والسعودية وقوات التحالف. فإيران تسعى لتحطيم النظام العالمي المستقر ونشر الفوضى منذ عقود عبر زرع الميليشيات، مثل حزب الله والحوثي, واحتضان وتمويل الجماعات الإرهابية, ونشر عقديتها الدينية والدفاع عن الأنظمة الدموية كنظام الأسد, أي أنها ضد كل القيم التي تأسس عليها العالم منذ البداية. خروج نظام الملالي كان مع الأيام الأولى الذي احتلت فيها السفارة الأميركية في طهران وهو إعلان صريح في الخروج على التقاليد التي تحكم بين القوى الدولية، والذي استمر حتى هذا اليوم. هذا على العكس من السياسة السعودية والدول العربية المعتدلة التي لعبت الدول الأكبر في المحافظة على استقرار النظام العالمي في هذا الجزء الملتهب من العالم.

"عاصفة الحزم" أتت كضرورة قصوى وكخيار أخير ليس فقط دفاعا عن اليمن والسعودية ودول الخليج فقط , بل منعا لانهيار نمط الحياة التي ينعم به الملايين ونظن أنه ولد من تلقاء نفسه, والحقيقة أن القوى العاقلة هي من ترسخه وتحميه من القوى المخربة وتسعى لنشره وتوسيعه وهذا ما يفسر انطلاق "إعادة الأمل" بعد أن انتهت العاصفة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط